ليس كل ما يلمع ذهباً

ابحث داخل موقعنا الاجتماعي

استمـع إلــى القـرآن الكريـم

مواقع فى العلوم الاجتماعية

برنامـج Spss الإحصـــــائي

كيف تجتـاز اختبار التوفـــل ?

كيف تجتاز الرخصة الدوليـة ?

متصفحات متوافقة مع الموقع

شريط أدوات العلوم الاجتماعية

إنضم إلينا على الفيـس بوك

قناتنا الاجتماعية علي اليوتيوب

شاركنا بأفكارك على تويتر

الأخبار الاجتماعية عبر RSS

تصـفـح موقعنا بشكل أسرع

العلوم الاجتماعية علي فليكر

المواضيع الأكثر قراءة اليوم

أرشيف العلوم الاجتماعية

زائرى العلوم الاجتماعيـة

هام وعاجل:

على جميع الباحثين الاستفادة من محركات البحث الموجودة داخل الموقع لأنها تعتبر دليلك الوحيد للوصول إلى أي معلومة داخل الموقع وخارجه عن طريق المكتبات الأخرى وهذا للعلم .... وفقنا الله وإياكم لما فيه الخير.

--------------------------------

على جميع الباحثين والدارسين إرسال استمارات الاستبيان في حالة طلب تحكيمها من إدارة الموقع على هيئة ملف وورد لنتمكن من وضع التحكيم داخلها ... وذلك عن طريق خدمة راسلنا بالموقع مع ذكر البريد الاليكتروني لشخصكم لكي نعيد إرسال الاستمارة لكم مرة أخرى بعد تحكيمها... إدارة موقع العلوم الاجتماعية.

نقدم لكم مجموعة من أفضل المواقع فى العلوم الاجتماعية العربية والأجنبية المختلفة والتى تعتبر قراءات إضافية لما يحتويه الموقع من معلومات محاولين اختيار أفضل الروابط واللينكات المهمة والتى لها شان فى العلوم الاجتماعية لكى يجد الباحث مطلبه إما فى موقعنا (العلوم الاجتماعية) أو فى تلك المواقع أملين من الله التوفيق لكل الباحثين والدارسين فى العلوم الاجتماعية وباقى الفروع المختلفة من العلم .
-----------------------------------
المواقع العربية في العلوم الاجتماعية
-----------------------------------
رواد وعلماء النفس
http://iaompsy.org
د./محمود الزوادى
http://www.romuz.com
علماء الإقتصاد
http://www.ulum.nl/9.htm
منبر الجابرى
http://www.aljabriabed.net
المؤرخين فى العراق
http://www.ulum.nl/a48.htm
د./أحمد عبد الحميد
http://www.ahmedhamid.com
أ.د/أحمد زايد
http://ahmedzaiedsociologist.googlepages.com
ابن خلدون رائد علم الاجتماع
http://www.ibnjaldun.com/index.php?id=16&L=8
الفيلسوف هيجل
http://www.assuaal.com/studies/studies.215.htm
د: أحمد محمد جاد الرب أبو زيد
أ.د/السيد عوض
http://hamdisocio.blogspot.com/2010/06/blog-post_6123.html
-----------------------------------
موسوعة العلوم الاجتماعية
http://www.swmsa.com
مطبوعات اجتماعية حديثة
http://www.ulum.nl/b23.htm
العلوم الاجتماعية
فهرس حقوق الإنسان
http://www.arabhumanrights.org
موسوعة مقاتل الاجتماعية
http://www.moqatel.com/openshare/indexf.html
الموسوعة النفسية الاجتماعية
http://www.qassimy.com/vb/showthread.php?t=201782
-----------------------------------
سيمنار للأبحاث العلمية
http://www.seminar.ps
مكتبة الملك فهد
http://www.kfnl.org.sa
الكتب العلمية
http://www.ulum.nl/5.htm
كتب جوجل
http://books.google.com
الكتب الاجتماعية
http://www.ejtemay.com/book
الترجمة المتقدمة
http://translate.google.com/?hl=ar
أرشيف الكتب
http://www.archive.org/details/texts
الباحث العلمي العربي
http://scholar.google.com.eg/schhp?hl=ar
ترجمة النصوص
http://www.google.com.eg/language_tools?hl=ar
اتحاد مكتبات الجامعات المصرية
مكتبات مبارك
http://195.43.3.7/uhtbin/cgisirsi/SBTTdValAL/MPL/282210009/60/1180/X
-----------------------------------
أفكار اجتماعية
http://www.ulum.nl/6.htm
مقدمة علم الاجتماع
http://omar.socialindex.net/intro1.html
دليل المصطلحات
http://www.ejtemay.com/ms/index.php?page=1
معجم المصطلحات النفسية
http://www.psyinterdisc.com/mojamnafs.html
مدخل علم الاجتماع
http://www.jubailnet.com/vb/showthread.php?t=50737
مدخل للفلسفة
http://al-shia.com/html/ara/books/lib-others/madkhal/01.htm
ملف العولمة
http://www.albayanmagazine.com/files/global/index.HTM
مقدمة في الأنثروبولوجيا
http://www.rabitatalwaha.net/moltaqa/showthread.php?t=3504
مفاهيم العولمة
http://www.aljahidhiya.asso.dz/Revues/tebyin_20/Mostalaho_elawlama.htm
-----------------------------------
البحوث الجنائية
http://www.ncscr.org
أبحاث علم الاجتماع
http://www.ssrn.com
البحوث الاجتماعية
http://www.srscenter.org
أبحاث سوسيولوجية
http://sru.soc.surrey.ac.uk
بحوث ودراسات
http://www.ulum.nl/12.htm
مناهج وطرق البحث
http://gsociology.icaap.org/methods
مناهج البحث فى العلوم الاجتماعية
http://omar.socialindex.net/mnahej.html
-----------------------------------
الأطروحة الاجتماعية
http://www.ulum.nl/11.htm
النظريات وعلمائها
http://www.sociologyprofessor.com
الاتجاهات النظرية
http://www.books6.com/view-510.html
الأطروحة والمناقشة
http://omar.socialindex.net/thesis.html
مقولة الحداثة
http://hadika.jeeran.com/ab/khalis.html
رؤية للنظريات
http://www.ebthalmohamed.jeeran.com
رواد النظرية
http://omar.socialindex.net/pioneers.html
النظريات التقليدية
http://www.nesasy.org/content/view/1008/285
النظريات الحديثة
http://www.ejtemay.com/showthread.php?t=7244
النظرية النسوية
http://www.assuaal.com/studies/studies.146.htm
أسس بعد الحداثة
http://www.nizwa.com/volume28/p273_276.html
الحداثة وما بعدها
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=124805
الفلسفة النسوية
http://www.tahawolat.com/cms/article.php3?id_article=834
منظور النسوية الجديدة
http://www.meshkat.net/new/contents.php?catid=6&artid=6675
الاجتماعية النسوية
http://www.tharasy.com/thara/modules/news/article.php?storyid=510
-----------------------------------
الفلسفة والمنهج
http://philo.6te.net
معابر الفلسفة
http://www.maaber.50megs.com
علم النفس
http://www.filnafs.com/gratuit.html
الفلسفة والحكمة
http://membres.lycos.fr/philosophie15
الاختبارات النفسية
http://www.psyinterdisc.com/psytest.html
الفلسفة والعلم
http://www.assuaal.com/studies/studies.93.htm
التدريب الميداني
http://www.ejtemay.com/showthread.php?t=181
علم الاجتماع العائلي
http://www.ejtemay.com/showthread.php?t=1180
الأنثروبولوجيا الثقافية
http://www.shrooq2.com/vb/showthread.php?t=2219
أنثروبولوجيا
http://www.moeforum.net/vb1/showthread.php?t=4216&page=5
الفلسفة والعلوم
http://www.chihab.net/modules.php?name=News&file=print&sid=1176
علم الاجتماع والنفس
http://olom.info/ib3/ikonboard.cgi?s=c3653019bfe94f2f26a56d3866b8eb4d;act=SF;f=10
-----------------------------------
ندوات ومؤتمرات
http://www.ulum.nl/8.htm
الرسائل العلمية
http://www.ejtemay.com/dis
علم الاجتماع والعراق
http://www.ulum.nl/a134.htm
التعبئة والإحصاء
http://www.capmas.gov.eg/home.htm
الدراسات الإنسانية
http://www.exhauss-ibnkhaldoun.com.tn
العلاج النفسي
http://www.books6.com/view-192.html
إحصاءات الخدمة
http://www.capmas.gov.eg/nashrat1o.htm
الأحداث الجارية
http://news.google.com/news?ned=ar_me
المعلومات الأكاديمية
http://aymanbustanji.tripod.com/indexA.html
العنف الأسرى
http://www.balagh.com/woman/trbiah/420r069h.htm
العمل مع الجماعات
http://schsuae.brinkster.net/arabic/arcs/forums/showthread.php?t=324
-----------------------------------
التوجيه والإرشاد الاجتماعي
http://ec18.ws/vb
تاريخ علم الاجتماع
http://www.mdx.ac.uk
للناطقين بالفرنسية
http://fr.dir.yahoo.com
المنظمة الأمريكية الاجتماعية
http://www.asanet.org
أساليب العلاج النفسي
http://www.rameztaha.net
قانون حقوق الإنسان
http://www.cihrs.org/Arabic
مركز معلومات المرأة والطفل
http://www.infocent.com.bh
الجامعة الأمريكية
http://library.aucegypt.edu
مركز الإحصاء العام
http://www.capmas.gov.eg
يون يسف للطفولة
http://www.unicef.org/arabic
المنظمة العالمية الاجتماعية
http://www.isa-sociology.org
قانون محكمة الأسرة
http://www.kenanaonline.com/page/5920
تعلم علم الاجتماع ذاتيا
http://www.trentu.ca/org/trentradio/tklassen
البوابة الاجتماعية
http://www.intute.ac.uk/socialsciences/lost.html
الحقوق الاجتماعية
http://www.rafed.net/books/aam/hoqoq/index.html
رأى علم الاجتماع
http://www.al-jazirah.com.sa/cars/07032007/th5.htm
الانحراف الاجتماعي
http://holynajaf.org/arb/html/islamic%20library/aam/al-inheraf/mtn.php?file=index.html
الجمعية اللبنانية الاجتماعية
نقدم لكم مجموعة من أفضل المواقع فى العلوم الاجتماعية العربية والأجنبية المختلفة والتى تعتبر قراءات إضافية لما يحتويه الموقع من معلومات محاولين اختيار أفضل الروابط واللينكات المهمة والتى لها شان فى العلوم الاجتماعية لكى يجد الباحث مطلبه إما فى موقعنا (العلوم الاجتماعية) أو فى تلك المواقع أملين من الله التوفيق لكل الباحثين والدارسين فى العلوم الاجتماعية وباقى الفروع المختلفة من العلم .
-----------------------------------
ُEnglish websites in the social sciences
-----------------------------------
Dic – Social - Sci
http://bitbucket.icaap.org/
Psychology Dic
http://allpsych.com/dictionary
Sociology Guide
http://www.sociologyguide.com/
Questia Index
http://www.questia.com/Index.jsp
Oxford Dic Socio
http://www.enotes.com/oxsoc-encyclopedia
-----------------------------------
Start.4shared
http://start.4shared.com/
Sociology Web
http://www.socioweb.com/
Socio Site
http://www.sociosite.net/
Social square
http://www.socialsquare.com/
Philosophy
http://www.erraticimpact.com/
Sociology site
http://www.sociosite.net/index.php
Anthropology
http://www.anthropology.eku.edu/
Sociology
http://en.wikipedia.org/wiki/Main_Page
Political Social
http://rhetoric.berkeley.edu/areas/political.html
Social Problems
http://www.supportline.org.uk/problems/index.php
Sociology Websites
Elect-Books
http://www.electbook.com/handcrafted2.asp
-----------------------------------
rezo.net.fr
http://rezo.net/
Bibliothéque Nation
http://www.bnf.fr/
Ss.Econ.S.fr
http://ses.ens-lsh.fr/
W. W. Norton .Comp
http://wwnorton.com/
Sci.Humaines.fr
http://www.cnrs.fr/inshs
ccr.jussieu.fr
http://www.ccr.jussieu.fr/
Pouchet.Cnrs.fr
http://www.pouchet.cnrs.fr/
Serv.Unites.fr
http://www.unites.uqam.ca/
S-Research-M
http://www.socialresearchmethods.net/
S - Research
http://www.socresonline.org.uk/home.html
-----------------------------------
Social Theory .info
http://www.socialtheory.info/
I. Social .Theory
http://www.cas.usf.edu/socialtheory
Feminist Theory
http://www.cddc.vt.edu/feminism/enin.html
Social Theory- C
http://www2.warwick.ac.uk/fac/soc/sociology/theory
Theories of Sociology
http://socserv.mcmaster.ca/w3virtsoclib/theories.htm
Social Theory
-----------------------------------
أولاً: الحضرية كطريقة في الحياة:
1 – اللاتجانس أو التغير الاجتماعي:
تعتبر خاصية اللاتجانس أو التغاير الاجتماعي هي النتيجة الحتمية لظاهرة التحضر كعملية تركز مجموعة كبيرة من السكان في منطقة صغيرة ومحددة، ويبدو هذا الارتباط بين هذين المتغيرين واضحاً إذا وضعنا في الاعتبار حقيقة أن الكثافة السكانية العالية تزيد إلى أقصى درجة ممكنة من عملية المنافسة، سواء على المكان أو على الامتيازات والإمكانيات المتاحة، كما تدفع وباستمرار إلى التخصص، لذلك تغلب على حياة المدينة أنشطة تطور بطبيعتها نسقاً أو نظاماً معقداً ودقيقاً للتخصص وتقسيم العمل لا يتوفر بالنسبة للأنشطة الزراعية، فإذا أضيف إلى ذلك ما يتميز به المجتمع الحضري أو المدينة من خصائص تجعل السكان يتوافدون إليها من بيئات مختلفة ومتغايرة، لهذا كله يصبح كل منهما (المدينة أو المجتمع الحضري) موطناً طبيعياً للتغاير واللاتجانس أو كما يسميها البعض بوتقة تختلط فيها الأجناس والثقافات المتغايرة، لتسمح وتشجع على تأكيد الفروق الفردية باستمرار كأساس للنجاح، ويتحقق تكامل المجتمع من خلال ما يطوره هذا الاختلاف والتغاير من تضامن بين الأفراد يقوم على أساس نفعهم لبعضهم البعض وليس على أساس تماثلهم وتشابههم، والنتيجة أنه كلما ازداد عدد الأفراد الذين يشتركون في عملية التفاعل كلما زادت إمكانية التمايز بينهم، ولذلك فإنه من المتوقع أن تتدرج السمات الشخصية لسكان المجتمع الحضري ومهنهم وحياتهم الثقافية وأفكارهم وقيمهم على امتداد تتسع فيه الهوة بين طرفيه أو قطبيه على نحو أكثر وضوحاً عنه في المجتمع الريفي.
2 – الطابع الثانوي للعلاقات الاجتماعية:
نظراً لاتساع حجم المدينة والمجتمع الحضري فإنه لا يمكن أن تتمثل خصائص الجماعة الأولية بل تصبح جماعة ثانوية من الدرجة الأولى، إن سكان الحضر يرتبطون ويتفاعلون باستمرار مع الغرباء، ومن ثم تحل اللامبالاة محل الاستجابة المباشرة لسكان الريف نحو الغرباء سواء كانت تعاطفاً أو نفوراً، وبوجه عام فإن ساكن الحضر يعامل هذا الحشد الكبير من الغرباء ممن يقابلهم ويتفاعل معهم في حياته اليومية كما لو كانوا آلات حية متحركة أكثر من كونهم كائنات بشرية، ولهذا السبب توصف التفاعلات الاجتماعية والارتباطات أو العلاقات التي تقوم بين سكان الحضر بأنها ذات طابع انقسامي بمعنى أن تكون العلاقات الاجتماعية وسائل لتحقيق أهداف شخصية وبالتالي تكون أكثر رشداً وعقلانية وأكثر بعداً عن العاطفية أو الانفعالية.
3 – التسامح الاجتماعي:
إن ما يكشف عنه المجتمع الحضري من درجة كبيرة من اللاتجانس بين الأفراد وتنوع الثقافات الفردية وتعدد أنماط الشخصيات وتمايز مستويات السلوك وسيطرة العلاقات السطحية والمهملة، كل ذلك جعل التسامح أو اللامبالاة ضرورة لا غنى عنها في مجتمع يتطلب من أفراده أن يكونوا على وعي ودراية بالمعايير الثقافية المختلفة المتباعدة وأن يتفاعلوا مع بعضهم البعض على هذا الأساس، ولذلك تكشف المناطق الحضرية باستمرار عن حدود أكثر اتساعاً للتسامح في كثير من المسائل المرتبطة بأنماط السلوك والأخلاقيات والعقيدة الدينية والحرية السياسية والأذواق والموضات ووسائل شغل الفراغ، إن المجتمع الحضري مجتمع مفتوح لا يتمسك بعادات صارمة وتقاليد جامدة أو عرف حازم يورثها للأجيال المتعاقبة، كما لا يفرض نتيجة لذلك تشابهاً وتطابقاً على جميع أفراده بل بلغت فيه درجة اللاتجانس إلى الحد الذي جعله يضع حدوداً للتسامح أوسع بكثير من المجتمع الريفي، ولا يعني ذلك أنه مجتمع لا معياري يفتقد إلى ضوابط السلوك، إنما يعني أنه لا يهتم إلا بتنظيم السلوك العام، أما السلوك الخاص فأمر يتسامح فيه طالما أنه لا يتعارض مع الأنماط العامة للسلوك.
4 – سيطرة الضبط الرسمي والثانوي:
توفر المدينة أو المجتمع الحضري لساكنها فرصة العيش في عالمين اجتماعيين مختلفين عالم الأصدقاء والمعارف أو عالم العلاقات الأولية الوثيقة، وعالم من الغرباء الذين يرتبطون به فيزيقياً عن قرب ولكنهم يكونون أكثر بعداً عنه من الناحية الاجتماعية، ويستطيع ساكن الحضر نتيجة لذلك أن يهرب من الضبط القهري للجماعة الأولية عندما يريد، وأنه كلما كبر حجم المجتمع الحضري كلما أصبحت مشكلة الضبط أكثر وضوحاً وكانت أجهزة التنظيم والضبط الثانوي أكثر تنظيماً وأصبح مكاناً يحقق فيه الضبط القانوني والشرعي لتنظيم الحياة اليومية، أي أن تفقد فيه الأعراف والطرائق الشعبية تأثيرها كموجهات للموقف.
5 – التنقل والحراك الاجتماعي:
بنفس القدر الذي تحتم فيه الحضرية تحقيق قدر كبير من التنقل الجغرافي للأشخاص والسلع والأفكار، فإنها تشجع باستمرار على تحقيق قدر أكبر من التنقل الاجتماعي، إن ما يتميز به البناء الاجتماعي الحضري من تقسيم دقيق للعمل وإتاحة فرصة المنافسة وتأكيد للعلاقات غير الشخصية يؤكد عمليات الإنجاز والاكتساب، أكثر من وراثة المكانة، ولذلك فإن ساكن الحضر يستطيع بالتالي أن يحقق درجة ما كبرت أو صغرت من التنقل الاجتماعي بحيث تصبح المنافسة على المكانة شغله الشاغل، لقد قوضت الحضرية دعائم البناء الطبقي والطائفي التقليدي وجعلت من المدينة أو المجتمع الحضري مكاناً تتوفر فيه فرص التنقل الاجتماعي.
6 – الروابط الطوعية:
مع تزايد حجم المجتمع الحضري وزيادة كثافته السكانية والقرب المكاني الوثيق بين الأفراد وتنوعهم أو تغايرهم، أصبح المجتمع الحضري مجتمع الروابط والجماعات الطوعية الاختيارية، فسواء على مستوى المهنة أو الهواية أو على مستوى الموطن الأصلي والديانة، أو على مستوى السن والسلالة يستطيع ساكن الحضر أن يجد دائماً آخرين لهم نفس المصلحة.
7 – الفردية:
تشجع الحضرية وباستمرار على تأكيد روح الفردية، إن الحشد الهائل من الجموع البشرية في المجتمع الحضري والطابع الثانوي والاختياري والطوعي للروابط الحضرية إلى جانب تعدد الفرص وتنوعها وسهولة التنقل أو الحراك الاجتماعي، وتنوع الجماعات التي قد ينتمي إليها الأفراد وتعدد المصالح التي توحد بينهم وما تشجعه الحياة الحضرية من روح المنافسة كل ذلك من شأنه أن يجبر الفرد على أن يتخذ قراره بنفسه وعلى أن يخطط لحياته بطريقة فردية مستقلة.
8 – العزل المكاني:
فالتنافس على المكان في مثل هذا المجتمع الدينامي واللامتجانس من شأنه أن يؤدي إلى عزل واضح ومتميز للجماعات والأنشطة والوظائف ينعكس بوضوح على ما له من نمط مكاني، حيث نجد أن مركز المدينة أو المنطقة الحضرية يشغل بطبيعة الحال بالوظائف ذات الأهمية المحورية للمجتمع ككل مثل أعمال الإدارة والحكم والبنوك، الأمر الذي يجعل القيمة الإيجارية في مثل هذه المراكز مرتفعة بدرجة ملحوظة، إن العزل المكاني الذي يتميز به البناء الإيكولوجي للمجتمع الحضري إنما يتيح وسائل أكثر ملائمة لفهم طبيعة التنظيم الاجتماعي لهذا المجتمع، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن سكان أي منطقة من المناطق الحضري يميلون إلى تطوير طابع اجتماعي وثقافي خاص ومميز لهم عن غيرهم من سكان مناطق أخرى.
ثانياً: نماذج مختلفة من الحياة الاجتماعية الحضرية:
1 – بناء العلاقات بين سكان الأطراف والضواحي:
إن نمط العلاقات الاجتماعية شبه الأولية هو النمط السائد فيها، بمقارنتها بكل من المدينة والقرية معاً، وتتضح معالم هذا النمط في خصائص محددة مثل كثافة علاقات الجوار والألفة والمودة وتبادل الخدمات والمساعدات.
2 – التجانس والامتثال:
تعتبر خاصية الامتثال الاجتماعي أكثر خصائص أنماط السلوك ارتباطاً بخاصية التجانس، حيث تصور معظم الدراسات مجتمع الأطراف على أنه مجتمع متجانس تختفي فيه الفروق الفردية والاجتماعية وراء قدر كبير من الامتثال والتطابق بالدرجة التي يعتبر فيها سكانها أناساً موجهين من قبل الغير، وقد تمتد هذه النظرة لتقرر أن ظاهرة نمو مناطق الضواحي والأطراف كانت في ذاتها عاملاً هاماً لنشر معايير الامتثال في المجتمع الحضري، ومن ثم كانت هذه المناطق بمثابة بيئة اجتماعية تمارس ضغطاً اجتماعياً فيه يجبر الفرد على اتباع المعايير التي تضعها جماعة البيئة.
3 – التسامح والتعصب:
إن حدود التسامح ترتبط في اتساعها ارتباطاً طردياً مع حجم المجتمع ودرجة تحضره وأن حدود التسامح في مناطق الأطراف تكاد تضيق بدرجة ملحوظة عن حدودها في المدنية، ولو أنها تبدو أكثر اتساعاً منها في المناطق الريفية، يبدو ذلك بصفة خاصة في التعصب للجماعات القرابية وجماعات الموطن الأصلي أو ما يمكن تسميته بالعصبية الإقليمية، وفي بعض مظاهر السلوك، الأمر الذي يعكس حقيقة تأثر سكان مناطق الأطراف بالرواسب والقيم الريفية.
4 – الضبط الاجتماعي:
يرتبط ارتفاع درجات الامتثال الاجتماعي بسيطرة وسائل الضبط غير الرسمي، حيث تصبح المجالس العرفية أو تدخل الجماعات القرابية للأطراف المتنازعة أو وساطة الجيران أكثر الوسائل انتشاراً وظهوراً لحل الخلافات التي تقوم بين السكان في مناطق الأطراف.
5 – المشاركة الاجتماعية:
إن سكان مناطق الأطراف والضواحي يكونون أكثر ميلاً للمشاركة الاجتماعية المحلية "غير الرسمية" أو "المشاركة في أنشطة داخل حدود مجتمعهم" ويظهر ذلك بوضوح في ميل سكان مناطق الأطراف لحل مشكلات العلاقات الاجتماعية بين الجيران وللإفصاح عن شكاوى تتعلق بصعوبات أو مشكلات ذات طابع محلي، واستعدادهم للمشاركة في مشروعات محلية لخدمة وتطوير مجتمعهم، كما أنهم فوق هذا وذاك يكونون أقل اعتماداً واتصالاً بالمدينة لقضاء أوقات فراغهم لتنحصر مجالات وسبل وقت الفراغ عند الكثيرين منهم داخل حدود مجتمعهم المحلي.
ثالثاً: الجماعات وأنماط المشاركة الحضرية:
1 – دور الجماعات الأولية في المجتمع الحضري:
عادة ما توصف الجماعة بأنها أولية إذا قامت على علاقات المودة والألفة بين الأفراد، وتمثلت قيماً مشتركة ومستويات أساسية للسلوك، وتميزت بالاتصال الواضح والشخصي والمباشر بين الأفراد وكثيراً ما يشترك أعضاء الجماعة الأولية في عديد من الأنشطة، كما تتداخل مظاهر شخصية كل فرد فيها في علاقاته بغيره من أعضاء الجماعة، وتعتبر الأسرة والجماعات السلالية أو الإثنية والمجتمعات المحلية الريفية ومجتمعات الجيرة الصغيرة أمثلة بارزة للجماعات الأولية، ولكنها تمارس التأثير الأولي أو المبدئي العميق على الفرد خلال عملية التنشئة الاجتماعية توصف مثل هذه الجماعات بأنها "أولية".
وللجماعة الأولية دورها الحيوي بالنسبة للفرد والمجتمع على حد سواء فعلى المستوى الفردي، تسهم الجماعات الأولية –كجماعة الأسرة والجيرة والأصدقاء- كثيراً في تشكيل شخصية الفرد وتحديد قيمه وأفكاره وأنماط سلوكه وذلك من خلال ما تقوم به من وظيفة خلال عملية التنشئة الاجتماعية، وعلى المستوى الجمعي يمثل هذا النوع من الجماعات الوحدات الأساسية التي يتركب منها المجتمع، وقد يبدو ذلك واضحاً في الثقافات التقليدية بصفة خاصة، حتى أن أي تفكك أو ضعف في روابطها أمر من شأنه أن يجعل المجتمع أكبر عرضة لمواجهة مشكلات التفكك وفقدان المعايير.
أ – الأسرة والجماعات القرابية الحضرية:
إن الشواهد تؤكد أن المغزى الاجتماعي والأهمية السيكولوجية لهذه الروابط الأسرية لم تتغير أو تختلف باختلال درجات "الحضرية أو "الريفية" وعلى العكس ما تصورته النظريات التقليدية عن "تفكك" الروابط الأسرية في المجتمع الحضري فإن الوظائف الاقتصادية والترويحية و "الأمنية" وغيرها من خدمات تقليدية لا تمثل أساس الروابط الأسرية بل إن هذا الأساس ينحصر في الجانب الشخصي والعاطفي أو النفسي فحسب يضاف إلى ذلك أن الحضرية لم تحتم ضرورة تحول الوظائف التقليدية للأسرة وإنما أتاحت الفرصة فحسب أمام الأفراد لإشباع الحاجات المرتبطة بهذه الوظائف خارج نطاق الأسرة، ومن ثم فإن ما توفره الحضرية من بدائل متنوعة قد يسمح للأسرة الحضرية أن تختار أي الوظائف يمكن أن تنجز داخل محيطها أو خارجه، من الخطأ إذن أن نفسر ما تكشف عنه المجتمعات المحلية الريفية والحضرية من فروق في بناء القرابية ووظائفها وطبيعة العلاقات السائدة فيها في ضوء عامل "التحضر" وحده سواء نظر إليه في حدود الحجم أو الكثافة أو اللاتجانس، إن التفسير الوحيد لهذه الفروق الريفية الحضرية لا يستقيم إلا في ضوء "العوامل المتعددة" إن سكان الحضر أكثر شباباً، ومن ثم فهم أقل إنجاباً للأطفال، وأكثر ميلاً للارتباط بقيود الجماعة القرابية وأقل حرصاً على الوظائف التقليدية للأسرة، كذلك فإن المكانة الطبقية تميل إلى الارتفاع بين سكان الحضر عنها بين سكان الريف، وبطبيعة الحال كلما ارتفعت المكانة الاجتماعية أو الطبقية للأفراد كلما كانوا أكثر ميلاً للاعتماد على جماعاتهم القرابية في مجال تبادل المساعدة أو الدعم الاقتصادي، وأكثر ميلاً للعيش بعيداً عن الروابط القرابية الوثيقة، هذا إلى جانب أن وجود العديد من المنظمات والجماعات الثانوية في البيئة الحضرية يتيح الفرصة للأسرة أن تتخلى عن بعض وظائفها التقليدية لتجعل منها في نهاية الأمر "جماعة أولية أكثر تخصصاً" معنى ذلك أن أي نظرية حضرية يجب أن تضع في اعتبارها حقيقة أن الأسرة لا تزال باقية ومستمرة كجماعة أولية رغم كل التغيرات التي يمكن أن تطرأ عليها في توافقها مع الحضرية كطريقة في الحياة، أو مع ما يتميز به التنظيم الاجتماعي الحضري من طابع معين وخصائص متميزة.
ب – جماعات الأصدقاء:
تنطوي جماعات الأصدقاء من وجهة النظر السوسيولوجية على علاقات اجتماعية أكثر تعقيداً من علاقات القرابة والزمالة والجوار، حيث يقوم هذا النوع من الجماعات على الاختيار الحر من جانب الأفراد دون تدخل من عوامل خارجية، بل عادة ما تتم عملية الاختيار من مجالات أخرى تبتعد كثيراً عن مجال العمل أو القرابة أو الجيرة.
لقد استوعبت النظرية الحضرية عدداً من المواقف المتباينة لعلاقات الصداقة على النحو الآتي:
هناك من يجزم بأفول علاقات الألفة والمودة بين سكان المدينة وغلبة العلاقات غير الشخصية كما أن ساكن الحضر رغم ما يقوم بينه وبين الآخرين من تفاعل واحتكاك مستمر وغير منقطع إلا أنه نادراً ما يتفاعل معهم على مستوى شخصي، ليجد نفسه في النهاية وحيداً بلا أصدقاء.
وفي الجانب الآخر هناك من يؤكد أن جماعات الأصدقاء شأنها شأن الجماعات الأولية الأخرى ليست بأقل مغزى أو أهمية في مجتمع المدينة بل ربما فاق ما يسودها من علاقات الألفة والروابط الشخصية غيرها من الجماعات الأخرى لأنها تنبثق عن ثقافات فرعية متميزة ومتجانسة ولأن فرصة الاختيار في مجالها أكثر اتساعاً ووفرة.
بالإضافة إلى أن هناك نتائج دراسات كشف عن أن ساكني المدينة ليسوا بأقل حظ من سكان الريف في توطيد روابط الصداقة بالآخرين وأن جماعات الأصدقاء في المجتمع الحضري لا تقل أهمية فيما تقوم به من دور بالنسبة للدعم المادي والعاطفي المتبادل للأفراد.
غير أن ذلك كله لا يعني أن "الصداقة" لم تتأثر بالحضرية، حيث تختلف طبيعة وبناء جماعات الأصدقاء في الحضر عنه في الريف، فالملاحظ أن جماعة الأصدقاء في المجتمع الحضري أكثر تشتتاً من الناحية الجغرافية عنها في الريف، خاصة بعد أن فقد متغير "المحلية" ما له من أهمية نسبية كمصدر لتدعيم الروابط الاجتماعية بين سكان المدن، الأمر الذي يتيح لهم فرصة توطيد علاقات صداقة خارج حدود الجوار المكاني، وهذا يعني بدوره أن السياق الاجتماعي والعاطفي الذي تنمو فيه العلاقات، أو تدعم، يكون أكثر اتساعاً وتنوعاً في المناطق الحضرية، ومن ثم فمن المتوقع أن تعكس جماعة الأصدقاء هذا التنوع بدرجة ملحوظة.
ج – الجماعات السلالية:
المقصود بالجماعة السلالية تلك الجماعة ذات التقاليد الثقافية المشتركة التي تتيح لها شخصية متميزة كجماعة فرعية في المجتمع الأكبر، ولهذا يختلف أعضاؤها من حيث خصائصهم الثقافية عن غيرهم من أعضاء الجماعات الأخرى، وقد يكون للجماعة السلالية لغة خاصة وأعراف متميزة، ويعتبر الشعور بالتوحد كجماعة متمايزة أهم ما يميزها وعادة ما يستخدم المصطلح للإشارة إلى جماعات الأقلية، غير أن الاستخدام الشائع له غالباً ما يشير على الجماعات المتمايزة ثقافياً في مجتمع معين وفي كثير من الحيان تتمثل الجماعات السلالية طابعاً "جينالوجياً" (وراثي) بمعنى أن الانحدار من أصل قاربي مشترك يكون سمة بارزة لها، ولذلك ينظر إليها في العادة على أنها "جماعة أولية".
لقد وجهت عدد من البحوث لتوضيح انعكاسات الحضرية على الأهمية الاجتماعية والسيكولوجية والثقافية لهذه الجماعات، وتحديد ما يمكن أن يعتبر تعديلات في بنائها ووظيفتها استجابة للتنظيم الاجتماعي الحضري على النحو الآتي:
أكد بارك وويرث أن قوى التحضر "والترشيد" في المجتمع الحضري قد أطاحت وبصفة نهائية بالثقافات السلالية وأن الجماعات السلالية لم تعد مصدراً للعلاقات الشخصية الوثيقة أو للنشاط الجمعي الحضري كما هو شأنها في المجتمع الريفي.
ومن ناحية أخرى نجد جانز وأوسكار لوس يؤكدان أن الجماعات السلالية كانت ولا تزال من أهم الوحدات الاجتماعية التي لم تتأثر بعد بمتغيرات إيكولوجية كالحجم والكثافة والتغاير، وغيرها من متغيرات وعوامل وضح تأثرها المتزايد في المجتمع الحضري.
وهناك تباين في وجهات النظر وللتدليل على ذلك نعرض بعض نتائج الدراسات التي أجريت في هذا المجال:
1 – إن أعضاء الجماعات السلالية الحضرية يقصرون علاقاتهم وروابطهم الاجتماعية على أعضاء جماعتهم، كما يتوحدون بها كأعضاء ويحرصون على الإبقاء على عاداتهم وقيمهم وأنماط ثقافتهم.
2 – ليس من الضروري أن تقضي الحضرية على "حيوية" وتكامل الجماعات السلالية، بل على العكس قد تعمل في كثير من الأحيان على تدعيم هذا التكامل والتمايز، ولقد فسرت هذه الظاهرة في ضوء بعض العوامل المصاحبة للحضرية أهمها عامل الحجم إلى جانب تنوع وتعدد الثقافات الفرعية حيث لوحظ أنه كلما كبر حجم المجتمع الحضري كلما تعددت الجماعات السلالية المتمايزة، وأن هذا التعدد قد يزيد من إمكانية تطوير التنظيمات التي تدعم التمايز السلالي والثقافي لهذه الجماعات.
3 – لوحظ أن كبر حجم المجتمع يعدل إلى حد كبير من الجماعات السلالية، وذلك من خلال تطوير ثقافات فرعية بديلة تستند على أسس أخرى كالمهنة والطبقة وأساليب الحياة، أضف إلى ذلك أن جماعات الأغلبية في المدن الكبرى تصبح رغم اتساع حدود تسامحها تجاه جماعات الأقلية السلالية بيئة مسيطرة تجبر الجماعات السلالية على تعديل سلوكياتها بهدف التوافق معها، ومن ناحية أخرى فإن التفاعل والاحتكاك بين الجماعات السلالية المختلفة والذي يذكي من قبل الشعور بالهوية والتميز الثقافي بين هذه الجماعات من شأنه أيضاً أن يؤدي إلى عمليات الانتشار والاكتساب الثقافي بينها، إذ كثيراً ما تتقبل الجماعات "غير المسيطرة" الكثير من العناصر الثقافية للجماعات المسيطرة، الأمر الذي قد يعدل من طابع الروابط الاجتماعية بن أعضائها، خاصة إذا وجدت أسس أخرى بديلة لهذه الروابط كالمهنة أو المصلحة أو الوضع الطبقي، وقد يبلغ التفاعل "الإيجابي" بين الجماعات السلالية الحرية حداً يقضي فيه على "الكيان" المتميز لكل جماعة فرعية، خاصة عندما ينمي هذا التفاعل شعوراً واضحاً وقوياً بضرورة التوحد والانتماء لجماعات سلالية وثقافية أكبر، وتمتد "التعديلات" المصاحبة للحضرية إلى أبعد من ذلك، إن اتساع حجم المجتمع الحضري وتعد ثقافاته الفرعية وتغايرها، إلى جانب تنوع تنظيماته وتعقدها، كل ذلك من شأنه أن يعدل من المغزى الاجتماعي والسيكولوجي للجماعات السلالية، ففي الوقت الذي تمثل فيها القرية أو القبيلة عالم الفرد كله اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً، تميز الجماعات السلالية في المدينة الفرد عن غيره ممن يشاركونه نفس المجتمع ونفس التنظيم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ونفس الثقافة العامة، لتصبح في النهاية أحد "العوالم" الاجتماعية العديدة التي يضطر سكان الحضر إلى الانفتاح عليها.
د – جماعات الجيرة:
يشير مصطلح الجيرة و المجاورة في العادة إلى "جماعة أولية غير رسمية توجد داخل منطقة أو وحدة إقليمية صغيرة تمثل جزءاً فرعياً من مجتمع محلي أكبر منها، ويسودها إحساس بالوحدة والكيان المحلي، إلى جانب ما تتميز به من علاقات اجتماعية مباشرة وأولية ووثيقة ومستمرة نسبياً"، ويتضمن التصور الشائع عن "المجاورات" أو جماعات الجيرة "فكرة أن النوعية الخاصة والمميزة لعلاقات الجوار تلك العلاقات التي تجعل الجيران يشكلون جماعة أولية قد تغيرت بدرجة ملحوظة بفعل عوامل التحضر.
إن جماعات الجوار فقدت في البيئة الحضرية ما كان لها من مغزى في الأشكال البسيطة والتقليدية للمجتمع، إن الحضرية قد أضعفت إلى حد بعيد المدى من العلاقات الوثيقة التي كانت تتسم بها هذه الجماعات الأولية، كما قضت أيضاً على النظام الأخلاقي الذي كان يدعمها وذلك من خلال الإطاحة بالروابط المحلية والتأكيد على علاقات الاستقلال والغفلة بين الجيران.
وهناك رأي آخر بأن هناك مجموعة مركبة من السمات التي تميز شخصيات الأفراد الذين يميلون إلى توطيد علاقات الجوار بغيرهم، منها: طول مدة الإقامة بالمجاورة وزيادة الميل نحو الأطفال وكبار السن ووضوح الميل نحو المشاركة الاجتماعية، بالإضافة إلى المشاركة في قيم عامة وحاجات مشتركة تخلق بدورها قنوات للتفاعل والارتباط الوثيق بالآخرين.
ويوجد بعض الشروط التي تجعل جماعة الجيرة تأخذ شكلاً أولياً وشخصياً للعلاقات السائدة بين أفرادها هي: "الضرورة الوظيفية" ويقصد بها الإشارة إلى أن المشكلات والحاجات المحلية المشتركة التي يشترك سكان الحي أو المنطقة في مواجهتها من شأنها أن تقوي بينهم روابط الجوار والاعتماد الوظيفي المتبادل، و "نوعية العلاقات السابقة" فمعناه أن علاقات الجوار قد تتأثر بوجود أو عدم وجود علاقات أخرى بين الأفراد غير علاقات الجوار كالزمالة في العمل أو القرابة أو الاشتراك في نفس الجماعة السلالية أو الدينية وهكذا، ثم "الافتقار إلى جماعات أخرى بديلة" أي أنه في الحالات التي تكون فيها الاحتكاكات الاجتماعية بعيداً عن جماعات الجيرة نادرة أو صعبة أو باهظة التكاليف فإن على الأفراد أن يختاروا إما بين توطيد علاقاتهم الشخصية بالجيران أو الانصراف تماماً عن الدخول في مثل هذه العلاقات بالآخرين.
ولتفسير ذلك هناك عدداً من الاعتبارات هي:
1 – إن مسئوليات مواجهة الحاجات والمشكلات المحلية للمجاورة تلقى في المدن والمراكز الحضرية الكبرى على عاتق تنظيمات أخرى تعلو المستوى التنظيمي للمجاورة، كما أن ولاء ساكن الحضر لجماعات سلالية أو دينية أو طبقية أو أيديولوجية قد تمتد لتستوعب المدينة بأسرها، أمر من شأنه أن يفتت تلك الوحدة التقليدية لجماعات الجيرة في اهتمامها بمسائل أكثر محلية.
2 – إن الجوار المكاني للأقارب وزملاء العمل أمر غير متوفر أو متاح في المدن الكبرى حيث تلعب قوى السوق والمنافسة في مجال الإسكان دوراً واضحاً في تشتت هذه الجماعات فيزيقياً، ومن ثم لا تجد علاقات الجوار ما يدعمها من علاقات أخرى كالقرابة أو السلالة على نحو ما يقتضي الشرط الثاني.
3 – إن من أيسر الأمور بالنسبة لساكن الحضر أن يجد ما يجعله غير مرتبط بالضرورة بجماعات الجيرة، حيث يتيح تعدد جماعات المصلحة والروابط الثانوية وتنوعها في البيئة الحضرية فرصة أوسع للتفاعل ولتدعيم الروابط الوثيقة بالآخرين خارج الحدود المحلية للمجاورة لذلك فإن الافتقار الواضح للروابط المحلية بين الأفراد أمر من شأنه أن يقضي على الطابع الأولي والشخصي لعلاقات جماعات الجيرة في المجتمع الحضري.
2 – التحول النظامي لأنماط المشاركة الاجتماعية الحضرية:
إن "الفقدان النسبي" للمغزى الاجتماعي للجماعات الأولية، و "التحول النظامي" لنماط المشاركة الاجتماعية من أهم ما يمكن أن تتميز به الحياة الاجتماعية الحضرية، لقد دفعت الحضرية بالفرد إلى السعي نحو ربط ذاته بالآخرين من خلال المصالح المشتركة في جماعات على درجة عالية من التنظيم لم تكن لتتوفر في الجماعات الأولية بمعناها التقليدي، لذلك ارتبطت الحضرية بتطوير العديد من التنظيمات الرسمية التي توجه مباشرة لإشباع حاجات الأفراد ومصالحهم، والتي تتضمن بدورها قدراً ملحوظاً من الاعتماد المتبادل ولكن في إطار من العلاقات أكثر تعقيداً وسطحية وفي المجالات التي لا يستطيع الفرد أن يسيطر عليها بمفرده.
هناك تصورين مختلفين الأول: أنه لما أصاب العلاقات الأولية والوثيقة أو غير الرسمية من ضعف وفتور في المجتمع الحضري، يضطر الأفراد إلى الاعتماد على الروابط والتنظيمات الرسمية حتى يمكنهم الاحتفاظ بعلاقاتهم بمجتمعهم المحلي ولأجل تحقيق أهدافهم ومصالحهم، ولذلك فإن الأهمية السيكولوجية لمثل هذه الروابط تبدو أكثر وضوحاً وتأكيداً بالنسبة لساكني الحضر بصفة خاصة.
الثاني: أنه ليست هناك فروقاً جوهرية تذكر بين المجتمعات الريفية والحضرية في مجال العلاقات الرسمية، وأنه إذا ما وجدت مثل هذه الفروق فإنه من اللازم تفسيرها في ضوء اختلافات الطبقة والثقافة الفرعية وليس في ضوء اختلافات الحجم والكثافة، لذلك فإن الأفراد لا يقبلون على العضوية في الروابط والتنظيمات الرسمية الحضرية باعتبارها "بدائل" للجماعات الأولية أو العلاقات الشخصية بل باعتبارها "وسيلة" منظمة لتأكيد هذه العلاقات.
وعلى اختلاف التصورين إلا أنهما يلتقيان في التأكيد على ما ارتبط بالحضرية كشكل من أشكال التنظيم الاجتماعي أو كطريقة للحياة من تحول نظامي ورسمي واضح أصبح يميز طابع المشاركة الاجتماعية الحضرية.
الروابط الطوعية وجماعات المصلحة الخاصة:
تعتبر الروابط الطوعية وجماعات المصلحة الخاصة من أكثر أشكال المشاركة الاجتماعية الرسمية انتشاراً في المجتمع الحضري، والمقصود بالرابطة الطوعية "جماعة من الأفراد، على درجة عالية من التخصص والتنظيم، يرتبط فيها الأعضاء أو يتوحدون بإحدى المصالح أو الاهتمامات التي لا يمكن أن تتحقق من خلال السلوك الفردي أو المشاركة الاجتماعية في الأشكال الأخرى للتفاعل الاجتماعي" وعضوية هذه الجماعة اختيارية بحتة.
وبالتركيز على الدور الوظيفي للروابط الطوعية في المجتمع الحضري، نلاحظ أن تباين النتائج التي حصلت عليها بعض الدراسات في هذا الصدد، ففي الوقت الذي حصلت في بعض الدراسات إلى تأكيد ما تقوم به المشاركة الاجتماعية في هذه الجماعات من دور بارز في تدعيم تكامل المجتمع الحضري وتجانسه، ذهبت دراسات أخرى إلى أن تعدد هذه الروابط وتنوعها أمر من شأنه خلق حالة من الفرقة والصراع الاجتماعي والثقافي داخل المجتمع، بينما اقتصرت دراسات أخرى على تصنيف الأشكال المختلفة التي تتمثلها هذه الروابط في المجتمع الحضري دون أن تقدم على محاولة تقييم دورها الوظيفي سواء بالنسبة للفرد أو المجتمع.
1 – اعتبرت المكانة الاجتماعية والوضع الطبقي من العوامل الهامة في تحديد حجم المشاركة الاجتماعية في الروابط الطوعية ونوعيتها.
2 – كثيراً ما يفسر التمايز الواضح في أنماط المشاركة الاجتماعية في الروابط الطوعية في ضوء المسائل المرتبطة بالسلالة.
3 – قد تلعب الهجرة والتنقلات السكانية تلك الظاهرة التي كانت ولا تزال أكثر انتشاراً في المجتمع الحضري دوراً ملحوظاً في هذا الصدد، حيث تبين أن تطوير الروابط السلالية الخاصة يعد نتيجة لازمة عن حركات الهجرة الدولية، وأن المهاجرين من الريف إلى الحضر يكونون أكثر ميلاً لتطوير روابط طوعية خاصة يستخدمونها كوسيلة للتخلص من أساليب حياتهم القديمة، ومن ثم تقوم هذه المنظمات بدور الوسيط بين الأنماط القديمة وغير المتجانسة للسلوك، كما تمكنهم من التوافق مع ما تتميز به الحياة الحضرية من غفلة وتعقد، ومع ذلك قد توجه هذه الروابط في كثير من الأحيان نحو الحفاظ على الثقافة التقليدية وأساليب الحياة الريفية خاصة إذا اقتصرت العضوية فيها على الجماعات القرابية الممتدة، عندئذ يكون لهذه التنظيمات دوراً مختلفاً تماماً.
4 – سواء بالنسبة لفئات المهاجرين أو بالنسبة للسكان الأصليين في المجتمع الحضري فإن الاختلافات النوعية بين الأفراد قد تكون هي الأخرى إحدى العوامل المؤدية إلى اختلاف أنماط المشاركة فبالإضافة إلى ما قد يطوره أحد الجنسين من روابط تقتصر العضوية فيها على أفراد نوع دون آخر كالتنظيمات النسائية أو اتحادات عمال التعدين والمناجم مثلاً تبين أن الإناث أقل ميلاً للمشاركة في روابط طوعية عن الذكور، كما تبين أيضاً أن المشاركة الاجتماعية بين الذكور أكثر تنوعاً وتعدداً وأقل ثباتاً في بعض الأحيان عن النساء كذلك لوحظ أن الرجال أكثر ميلاً للانتماء إلى الروابط "الوسائلية" بينما يزيد إقبال الإناث على الانتماء إلى الروابط التعبيرية كالجماعات الدينية والخيرية والترويحية.
رابعاً: السمات الحضرية لبعض النظم الاجتماعية:
1 – الأسرة والتحضر:
إنه اتفاقاً مع ما لحق المجتمع من ظواهر عديدة للتغير اقترنت بزيادة معدلات النمو الحضري، وتمثلت في زيادة ظاهرة تقسيم العمل والتخصص حدة وفي زيادة مظاهر التركيز السكاني في المدن كثافة ووضوحاً وزيادة عوامل الامتداد والنمو العمراني فعالية، وزيادة حركات التنقل السكاني اتساعاً، كشفت الأسرة الحضرية عن مظاهر مصاحبة للتغير أصبحت اليوم خصائص بنائية وظيفية لها، بالدرجة التي جعلت البعض ينظر إليها على أنها نمط جديد لنسق قرابي أكثر توافقاً مع طبيعة العصر والمرحلة.
ويعتبر تقلص الحجم من جماعة قرابية معتمدة قامت على أساس تجمع قرابي للوحدات شبه الأسرية إلى أسرة صغيرة تقوم على رابطة الزواج وحدها من أهم الخصائص البنائية للأسرة الحضرية، والتي عبرت في الوقت نفسه عن خصائص العزلة وضعف الروابط القرابية، ولقد ظهر أثر التغيرات التي لحقت الأساس الاقتصادي للمجتمع الحضري واضحاً في هذا الصدد خاصة عندما أطاحت الظروف الاقتصادية الجديدة بالقيود التي كانت تربط الأسرة بشدة سواء بالأرض الزراعية أو بالجماعات القرابية الممتدة، فقيام التكنولوجيا الصناعية مثلاً على أساس قوة عمل متحركة، جعل من التنقل والحركة ضرورة يحتمها النجاح المهني لأعضاء الأسرة، وبالتالي أصبح من المتعذر على الجماعات القرابية الممتدة أن تعمل كوحدات متكاملة وسط هذه الظروف الجديدة للعمل أو الإقامة في المجتمع الحضري، وكان انفصال الوحدات شبه الأسرية –أي الفروع- عن الوحدات القرابية الكبيرة خاصية بنائية مميزة للأسرة الحضرية، في مقابل تعارض أو عدم ملائمة البناء التقليدي للعائلة الممتدة لهذه الظروف المتغيرة.
وبالمثل يعتبر تغير دور المرأة ومكانتها في الأسرة الحضرية من الموضوعات التي تستأثر بقسط وافر من الاهتمام عند تحليل خصائص النسق الأسري أو القرابي في المجتمع الحضري وبوجه عام فإن للمؤثرات الحضرية في هذا الصدد إسهامات عديدة، يأتي في مقدمتها ما ارتبط بها من ظاهرة إقبال المرأة على العمل خارج محيط الأسرة، لقد أحدثت هذه الظاهرة عدة قلقلات في محيط الأسرة أهمها:
1 – تدعيم الاتجاه نحو ضبط النسل أو تحديده.
2 – المساهمة في تغيير وضع الطفل في الأسرة والمجتمع.
3 – تغيير نمط العلاقات الأسرية في اتجاه ارتفاع مكانة الزوجة.
موجز لخصائص نظام الأسرة في مناطق الضواحي والأطراف الحضرية:
1 – لأسرة الأطراف بناء متميز للأدوار والمراكز الأسرية يختلف إلى حد كبير عن بناء الأسرة الريفية والحضرية معاً، وتكاد تكون "مرونة الأدوار" من السمات البارزة لبناء الأسرة في مناطق الأطراف، لقد أوضحت بعد الدراسات أنه ليس هناك تحديد صارم لأدوار كل من الزوج والزوجة، بل كثيراً ما يقوم الزوج بأداء بعض المهام التي تعتبر من المستلزمات التقليدية لدور الزوجة والعكس صحيح.
2 – تلعب الظروف الفيزيقية والإيكولوجية لمجتمع الأطراف دوراً هاماً في تغير مكانة الزوجة في الأسرة.
3 – يعتبر التمركز حول الطفل سمة أساسية في حياة أسرة الأطراف وربما كان الدافع الأساسي لانتقال كثير من الأسر العربية إلى مناطق الأطراف والضواحي يتمثل في أن هذه المناطق هي أنسب المواقع لتربية الطفل وتنشئته بما يتضمنه من ظروف جغرافية ملائمة.
4 – تنمي خاصيتي "التمركز حول المنزل" و التمركز حول الطفل اللتان تميزان أسرة الأطراف شعوراً "بالعائلية" بين أعضائها بدرجة أكثر وضوحاً عنه في الأسرة الحضرية التقليدية، إذ من النادر أن نتحدث في مناطق الأطراف عن مجتمع يقع خارج محيط الأسرة، وهذا يعني أن الأسرة هي محور اهتمام أعضائها.
إن الدراسات الحديثة أوضحت أن أسرة الأطراف بدأت تتمثل بعض الخصائص التي تقترب كثيراً من "النزعة الأسرية" بقيمها التي تدعم "السلطة الأبوية" و "الجمعية" في مقابل "الديموقراطية" و "الفردية" التي ميزت الأسرة الحضرية ويظهر ذلك واضحاً فيما تمارسه أسرة الأطراف من إشراف وضبط وتوجيه لسلوك أبنائها، إن ظروف العيش والإقامة في مناطق الأطراف التي تبتعد في كثير من الأحيان عن مراكز النشاط الاجتماعي والترويحي في المدينة تجعل من السهل على الآباء أن يمارسوا إشرافاً دقيقاً وفعالاً على سلوك ونشاطات أبنائهم من الشبان، كما أن مجرد البعد الفيزيقي والإيكولوجي عن المراكز الحضرية للنشاط الاجتماعي هو الذي يجبر الأبناء والآباء معاً إلى "التمركز أو العودة إلى حياة المنزل" كرابطة وظيفية للأدوار التي يقوم بها.
إن أسرة الأطراف على هذا النحو تمثل اتجاهاً لتغير الأسرة الحضرية، فيه يصبح نموذج الأسرة الممتدة المعدلة، الذي يتوسط العائلة الممتدة التقليدية في المجتمع الريفي، والأسرة النواة المنعزلة في مجتمع المدينة، أكثر النماذج وظيفية وملائمة مع المجتمع الحضري الحديث.
1 – تصورات مختلفة للتحضر والنمو الحضري:
أ – التصور أو المدلول الديموجرافي:
يستند هذا التصور على "البعد أو العامل الديموجرافي" وحده كأهم مقياس لعملية التحضر والنمو الحضري، فما هو "حضري" وفقاً لهذا التصور إنما يشير إلى تجمعات سكانية من حجم معين، أو إلى نسبة هؤلاء إلى إجمالي عدد السكان، وقد عرفت الحضرية في هذا التصور في حدود ارتباطها بالتركيز السكاني، كما عرف التحضر في حدود الاتجاه إلى زيادة التركيز السكاني في المدن والمناطق الحضرية.
ب – التصور الاقتصادي:
تمثل الحضرية وفقاً لهذا التصور مرحلة متقدمة من مراحل التطور الاقتصادي البشري، وبالتالي ارتبط "التحضر" والنمو الحضري بحركة انتقال وتحول إلى تنظيمات اقتصادية أكثر تعقيداً أو بمعنى أبسط انتقال من حالة تقوم فيها الحياة الاجتماعية على أساس العمل أو "الإنتاج" الأولي كالصيد والزراعة، إلى حالة تقوم فيها الحياة على أساس العمل الصناعي والإداري والتجاري والخدمات، أو هي بعبارة ثالثة حالة الانتقال من اقتصاد المعيشة إلى اقتصاد السوق.
لقد أوضح "جراس" في مدخله التطوري علاقة التطور الاقتصادي بأنماط التوطن والاستقرار البشري على مر التاريخ كما ربط طرق ووسائل العيش بالتطورات التكنولوجية من ناحية، وبتطور أشكال الاستيطان البشري من ناحية أخرى، وفي تأريخه للحضارة الغربية في حدود إطار تصنيفي متصل ميز "جراس" خمس مراحل تطورية أساسية هي: مرحلة اقتصاد الجمع والالتقاط، فمرحلة اقتصاد الرعي، يليها مرحلة اقتصاد القرية المستقرة، ثم مرحلة اقتصاد المدينة الصغرى، وأخيراً مرحلة الاقتصاد المتروبوليتي، ولقد كان تطور الزراعة كأسلوب أو طريقة للمعيشة أهم العوامل التي أدت إلى دخول البشرية في مرحلة أكثر تقدماً على طريق التحضر ويتوالى هذا التطور لتنمو المدن الصغرى نتيجة تزايد الإنتاج الزراعي وتزايد أعداد الحرفيين وتطوير وسائل النقل وازدهار النشاط التجاري، وكان ظهور "المتروبوليس" بعد ذلك نتيجة لازمة لارتباط التغيرات التكنولوجية والتنظيمية المصاحبة لانتشار التصنيع وسيطرة الاقتصاد المتروبوليتي.
وغدت المدينة المتروبوليتية هي الوحدة الإدارية والاجتماعية والاقتصادية ليس فقط في الاقتصاد القومي أو الإقليمي بل وأيضاً في الاقتصاد العالمي.
ج – التصور الإيكولوجي:
يكاد يكون هذا التصور "تركيباً" جديداً من التصورين السابقين، حيث يؤكد فيه أصحابه –المدرسة الإيكولوجية في صورتها التقليدية والمحدثة- على عامل السكان والمكان أو متغير الحجم والكثافة، كأهم ما يمكن أن يقاس بهما درجة التحضر وبإيجاز شديد، تقاس درجات التحضر وفقاً لهذا التصور في ضوء وضوح سيطرة الإنسان على البيئة الطبيعية واستخدامها لرفاهيته، بكل ما تتضمنه هذه السيطرة من معاني التعديل أو التغيير أو تمايز استخدام الأرض أو استثمار الموارد البيئية، أو غير ذلك من الأمور التي انعكست وعلى مر الأيام على الطابع الفيزيقي للمجتمع الحضري، وحجمه وخصائص أساسه الوظيفي ونمط توزيع السكان والنشاطات واتجاهات نموه..الخ.
د – التصور التنظيمي:
لا يقتصر "التحضر" و "النمو الحضري" وفقاً لهذا التصور، على مجرد زيادة عدد السكان وارتفاع كثافتهم، أو على تطوير نسق اقتصادي تدعمه تكنولوجيا صناعية متقدمة، وإنما يعني في الأساس الاتجاه إلى تنظيمات اجتماعية أكثر تعقيداً، يشتمل ذلك على تطوير وسائل الاتصال والميكانيزمات الاجتماعية والسياسية التي تسمح بإمكانية الربط والتنسيق بين مجالات وكيانات متخصصة ومتمايزة، بعبارة أخرى، فإن النمو الحضري هو انتقال من المجتمع البسيط إلى صورة أكثر تعقيداً، كما أن التحضر معناه تراكم التطور والعقد النظامي بنفس الدرجة وفي نفس الاتجاه الذي سارت فيه التطورات التكنولوجية.
هـ - التصور السلوكي:
يؤكد التصور السلوكي للتحضر والنمو الحضري على خبرة الأفراد على مر الزمن من حيث أنماط السلوك والتفاعل، ومن ثم ينظر إلى الحضرية هنا على أنها طريقة للحياة، أو نسق معين من قيم ومعايير السلوك وأنماط للتفاعل والعلاقات الاجتماعية ترتبط بسياق زمني ومكاني معين توصف بأنها "حضرية"، إن عملية التحضر هي انتقال وتطور المجتمع إلى شكل "الرابطة" ليتميز في النهاية بإنقسامية الأدوار وتعددية الانتماءات وسيطرة العلاقات السطحية الثانوية من خلال الروابط المتخصصة، وضعف علاقات المواجهة المباشرة، وغلبة العقل والمصلحة على العواطف، بعبارة أخرى يعني التحضر الانتقال إلى نموذج أكثر رشادة وعقلانية للفعل الاجتماعي والتفاعل، هذا النموذج الذي ارتبط وصفه باستخدام مصطلحات "الكوزموبوليتية" و "العلمانية" و "العقلانية" و "الهامشية" و "اللامعيارية" أو فقدان المعايير، و "الاغتراب".
4 – النمو الحضري بين التجربة الغربية وواقع الدول النامية (ص156):
يعزي "فيليب هوسر" اختلاف التجربة الحضرية في العالم الغربي عنها في دول العالم الثالث إلى أربعة عوامل أساسية هي:
1 – اختلاف الموقف السياسي العالمي الراهن عما ساد في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ومن أوضح مظاهر هذا الاختلاف تطوير عدد لا يستهان به من المنظمات الدولية التي أخذت على عاتقها مسئولية تقديم العون للبلاد النامية في مواجهة مشكلات التحضر وتحقيق التنمية الاقتصادية، إلى جانب ما تقدمه الحكومات والسياسات الدولية من مساعدات لهذه الدول في محاولة لاستقطابها سياسياً وإيديولوجياً، ومن المقبول أن نتوقع سير النمو الحضري بمعدلات أسرع في هذه الدول النامية.
2 – الاختلاف الواضح بين قوى التحضر وعوامله في كل من التجربتين: فقد كان النمو الحضري في أغلب البلاد المتقدمة، وما اقترن به من تطور اقتصادي نتاجاً مباشراً لقوى السوق والمنافسة، وفي مقابل ذلك من المتوقع أنه مع تزايد التدخل الحكومي والأخذ بسياسات التخطيط المركزي دوراً هاماً وأساسياً في توجيه عمليات التحضر واتجاهاته في بلدان العالم النامي، بعبارة أخرى من المتوقع أن يؤدي اختلاف التجربتين في هذا البعد إلى تجنيب العديد من المشكلات التي واجهتها الدول المتقدمة في مسيرتها الحضرية، وفي نفس الوقت إلى إثارة مشكلات من نوع جديد في كثير من العالم الغربي، إلا أن تزايد استخدام التخطيط المركزي في المناطق النامية سيسهم بدوره في إيجاد أنماط للتحضر تغاير ما ألفته التجربة الغربية من قبل، بالإضافة إلى ذلك فإن اختلاف السياق التاريخي الذي أحيط بتجربتي التحضر قد يسهم هو الآخر بالقدر الكبير في عملية تفسير أنماط التحضر واتجاهاته ومشكلاته بين العالمين النامي والمتطور، ففي كثير من بلاد آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا كانت المدينة نتاجاً للتجربة الاستعمارية، ويعني ذلك أن النمو الحضري في مثل هذه المناطق كان محصلة لتأثيرات خارجية بحته، ولم يكن نتيجة لتطور اقتصادي داخلي، لذلك كانت السمة الحضرية المميزة لكثير من المناطق النامية تتمثل في سيطرة مدينة واحدة كبرى فقط.
فثمة اختلاف واضح في معدل وطبيعة عملية التحضر في التجربتين الغربية والنامية ففي الوقت الذي استغرق فيه النمو الحضري الغربي فترة تجاوزت القرنين شهدت البلاد النامية تجربتها الخاصة مع التحضر في فترة لم تتخطى عشرات السنين، ولا شك أن تلك القفزة الواسعة نحو تكنولوجيات القرن العشرين التي قطعتها معظم هذه البلاد متأثرة في ذلك بالخبرة الغربية التي تراكمت على مر السنين دون أن تمهد لذلك بقاعدة ثقافية أو نظامية تتلائم والتقدم التكنولوجي الهائل، سوف يجعلها تواجه عدداً من المشاكل الحضرية الجديدة تعكس ما أطلق عليه بعض الباحثين مظاهر الفجوة أو التخلف الثقافي.
3 – اختلاف معدلات التوازن بين السكان والموارد، فعلى العكس من النمو الحضري الغربي الذي عكس توازناً ملحوظاً بين الزيادة السكانية والموارد المتاحة، وكشف عن عامل طردي للسكان من جوانب الريف يقابله عامل جذب لهم من خلال ما توافر في المراكز الصناعية من موارد وفرص لعمل، والذي وجد فيه الفائض السكاني فرصة أوسع للهجرة إلى مناطق أخرى لم يستغل بعد، كان النمو الحضري في معظم الأقطار النامية مدفوعاً بعامل طردي فقط دفع سكان الريف دفعاً للإقامة في المدن، وكان من نتيجة ذلك ارتفاع المعدلات الكثافية للمدن النامية بما يفوق الموارد المتاحة، ومما يزيد الموقف صعوبة، أن مثل هذه المناطق تكاد تنعدم فيها الإمكانيات الجديدة للتوسع لاستيعاب فائضها السكاني الذي يتزايد وبمعدلات سريعة وأكثر خطورة.
4 – اختلاف أنساق القيم: ويستند "هوسر" في تحليله لهذا الوجه الأخير من وجوه الاختلاف بين التجربة الحضرية الغربية وتجربة الدول النامية، على ما تصوره ماكس فيبر من قبل من وجود علاقة وثيقة بين نسق القيم المرتبطة بالأخلاق البروتستانتية وانتشار الرأسمالية وتحقيق التطور الاقتصادي وبالتالي بلوغ ذلك المستوى من التحضر في البلاد الغربية، إن الأخلاق البروتستانتية وما تميزت به من عقلانية وتأكيد على التحصيل والإنجاز والربح والنجاح ونزعة كوزموبوليتانية ومادية واضحة، ما ارتبطت به من نسق للتفاعل الاجتماعي، لا تجد لها المكان الملائم في انساق القيم السائدة في بلدان العالم الثالث، حيث تتعارض تماماً مع القيم الإسلامية والعقائد البوذية والهندوسية وغيرها من أنساق للعقيدة والفكر لا تزال تتميز بالطابع التقليدي العاطفي وتؤكد على المكانة والهيبة إلى جانب ارتباطها بنزعة روحية مسيطرة، إن اختلاف نسقي القيم سيؤدي على الأقل إلى اختلاف نمطي التحضر ومعدلاتهما ومشكلاتهما بغض النظر عما إذا كانت تلك النظرة الغربية متغيراً مستقلاً أو تابعاً للخبرة الحضرية، وبغض النظر أيضاً عما إذا كانت مقوماتها "البروتستانتية" هي بحق مقتضيات لازمة لتحقيق النمو الاقتصادي والحضري أم لا.
نحو نموذج مقترح للتصنيف: وجهة نظر (ص179):
أولاً: مدينة ما قبل الصناعة:
أ – خصائص الأساس الوظيفي:
قامت مدن ما قبل الصناعة كمراكز دينية وحكومية في المقام الأول، ومع أنها في كثير من الأحيان كانت تقوم بعدد من الوظائف الاقتصادية –كمراكز تجارية- إلا أن النشاط الاقتصادي كان مسألة ثانوية بحتة كخاصية من خصائص أساسها الوظيفي وقد ارتبط بهذه الحقيقة عدة نتائج مثلت في مجموعها عدداً من الخصائص المميزة لهذا النمط الحضري أهمها:
1 – انعدام التخصص الوظيفي للمدينة:
فعلى العكس من المدن الصناعية كان من النادر أن تنفرد مدينة ما قبل الصناعة بوظيفة ما دون أخرى، فقد كان من المألوف أن تمارس المدينة باعتبارها المركز الإداري والحكومي، الوظائف السياسية والعسكرية والدينية والتعليمية والاقتصادية.
2 – سيطرة عامل القوة على التنظيم الوظيفي للمدينة:
اتفاقاً مع دورها الوظيفي كمركز سياسي يناط به أداء الوظائف الإدارية والعسكرية كانت مدينة ما قبل الصناعة موطناً طبيعياً للصفوة الحاكمة، هيمنت على ما يحيط بها من مستوطنات، واستحوذت بدورها المسيطر على الفائض الاقتصادي للبلاد، وفي هذا الصدد كانت الوظيفة الاقتصادية للمدينة تنجز من خلال بناء القوة العسكرية والاقتصادية والإشراف على المسائل الدينية، حتى يمكنها أن تحتفظ بالسيطرة والغلبة على عامة الشعب في المجتمع، ولتحمي نفسها من أي هجوم خارجي.
3 – الطبيعة النوعية للتخصص وتقسيم العمل:
فقد ساد مدينة ما قبل الصناعة نسقاً لتقسيم العمل اختلف في طابعه وأسسه عما هو معروف الآن في المدن الصناعية، حيث قام على أساس المنتج النهائي وليس على أساس العمليات المختلفة لإنتاج هذا المنتج، وقد اتخذ التخصص وتقسيم العمل شكلاً نظامياً عرف باسم "نظام الطوائف الحرفية" واستند على عوامل السن والمهارة في التمييز بين أفراد الحرفة الواحدة "كالتمييز بين شيخ الطائفة والمعلم والأسطي والصبية" وفيما عدا ذلك كاد الأساس الوظيفي والتركيب المهني للمدينة أن يخلو من أي نوع من التخصص وتقسيم العمل، ومن ثم فإن ما يعرف في الاقتصاد الحديث باسم "خط الإنتاج" كان أمراً غير معروف فيها.
4 – الأخذ بمبدأ الإنتاج على مستوى الاستهلاك المحلي:
إن مبدأ الإنتاج على النطاق الواسع الذي أخذ يسيطر على الأساس الوظيفي للمدينة الصناعية لم يكن معروفاً في مدينة ما قبل الصناعة،مما يعنى افتقار العملية الإنتاجية للتقنين، واستنادها إلى عنصر المهارة والخبرة الفنية، ومن العوامل المساعدة انخفاض القدرة الشرائية لدى السكان، وبساطة الأدوات المستخدمة في الإنتاج والنقل إلى جانب بعض الصعوبات المرتبطة بتنظيم الاستثمارات وتوفير رأس المال اللازم.
ب – خصائص التركيب الديموجرافي:
1 – صغر حجم المدينة:
إن مدينة ما قبل الصناعة لم تكن لتتعدى إلا فيما ندر خمسة آلاف نسمة ومن ثم فإن المدن المائة ألفية مثلاً كانت ظاهرة حديثة لم تعرف إلا في مراحل التحضر المصاحبة أو المتأثرة بالتصنيع.
2 – ارتفاع معدلات المواليد والوفيات:
تميزت معدلات الخصوبة في مدينة ما قبل الصناعة بالارتفاع الملحوظ إذا قورنت بمعدلاتها في المدن الصناعية الحديثة، وقد ساعد على ذلك بعض العوامل والأفكار الأساسية أهمها، انعدام ضوابط النسل وسيطرة قيم المباهاة والتفاخر بزيادة عدد الأطفال، فضلاً عن انخفاض المستويات التعليمية ومستويات الطموح، الأمر الذي جعل من الطفل آنذاك لا يمثل عبئاً اقتصادياً على موارد الأسرة كما هو حال اليوم في المجتمع الحديث، وقد قوبلت الزيادة السريعة في معدلات المواليد بأخرى مماثلة في معدلات الوفيات نظراً لانتشار الأوبئة والأمراض والمجاعات، ولوحظ أن متوسط عمر الفرد فيها كان أكثر انخفاضاً عن متوسطه في مدى أخرى مماثلة في الوقت الحاضر.
3 – الحراك المحدود، اجتماعياً وفيزيقياً:
من الطبيعي أن يتوقف النمو السكاني لمدينة ما قبل الصناعة على عامل الهجرة أو التنقلات السكانية، ومع ذلك كانت عوامل مثل عدم توافر وسائل النقل والاتصال المتطورة والسريعة، وبساطة تكنولوجيا الإنتاج، وبالتالي انخفاض مستوى فائض الغذاء، عوامل حددت نطاق التنقلات السكانية في أضيق الحدود بحيث لم تصل عمليات الهجرة والتنقلات السكانية فيها إلى نفس المدى والحجم الذي بلغته في المدينة الصناعية، وفي داخل هذه الحدود الضيقة للهجرة والتنقلات السكانية تميزت العملية ببعض السمات الأساسية منها غلبة العنصر الرجالي على النساء وذلك لندرة فرص العمل المتاحة للمرأة في المراكز الحضرية آنذاك، إلى جانب احتواء عمليات الهجرة على قدر كبير من التغير الشعوبي والسلالي، وعلى المستوى الاجتماعي كشفت مدن ما قبل الصناعة عن نظام طبقي صارم وجامد، انقسم فيه السكان إلى طبقتين متمايزتين طبقة الصفوة الحاكمة وطبقة العامة، وكاد نسق التدرج الطبقي فيها أن يخلو من الطبقة الوسطى التي استطاعت في المدينة الصناعية الحديثة أن تحقق ما لها من مكانة من خلال عمليات الحراك المهني والاجتماعي.
ج – خصائص البناء الإيكولوجي:
1 – الموقع المحدد بظروف البيئة والتكنولوجيا والعوامل الاقتصادية:
فقد كانت البيئة الطبيعية هي التي تحدد الموقع الحضري للمدينة، كما كانت الحواجز والحدود التي تفصل المدن بعضها عن بعض أو عن غيرها من التجمعات البشرية الأخرى انعكاساً للأساس التكنولوجي غير المتطور خاصة وأن مشكلات الاقتراب من مصادر الغذاء وما تفرضه تضاريس المنطقة من مشكلات الزراعة والنقل، كانت كلها من التعقيد بالدرجة التي لم تستطع معها الأساليب التكنولوجية المعروفة آنذاك أن تقدم حلولاً ناجحة لها بما يمكن من توطيد المعيشة الحضرية.
2 – الاستقلال الفيزيقي للمدينة:
فقد كانت المدن المحاطة بالأسوار والحوائط العالية هي النمط العام لمدينة ما قبل الصناعة وذلك عبر مراحل طويلة من التاريخ، وفي داخل المدينة وجدت الحوائط والمتاريس التي تفصل أحياء المدينة بعضها عن البعض والتي عكست بطريقة ملموسة عمليات العزل "الأيكولوجي والثقافي والشعوبي والمهني لسكان المدينة".
3 – الاحتقان السكاني للمدينة:
وفي الداخل تميزت المدينة بدرجة عالية من التزاحم والاحتقان السكاني، وقد ارتبط ذلك بعدم توفر وسائل النقل المتطورة، وميل الأفراد إلى الإقامة بالقرب من أعمالهم، هذا فضلاً عن أن التكنولوجيا السائدة لم تكن لتسمح بالتوسع الرأسي للمباني لتزيد من عدد الوحدات السكانية، من خلال إنشاء مباني متعددة الطوابق، وقد نتج عن ذلك نوع من الالتصاق الشديد للمباني أدى إلى ضيق الشوارع وتعرجها، وقد كان هذا التزاحم بالإضافة إلى بعض المشكلات المرتبطة بالصحة العامة كالافتقار لخدمات الصرف الصحي وغياب الوعي الصحي وعدم تقدم المعرفة العلمية في مجالات مقاومة الأمراض والأوبئة، من العوامل التي تفسر ارتفاع معدلات الوفيات في مدينة ما قبل الصناعة.
4 – أهمية الموقع المركزي:
مثل مركز المدينة السابقة على الصناعة محور النشاط الديني والحكومي والتجاري، حيث شيدت فيه المباني الحكومية والدينية، وحيث أقيم بالقرب منه سوق المدينة، ويرتبط التوزيع المكاني للسكان بالتكنولوجيا السائد والأفكار أو القيم المنظمة للبناء الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية بين الأفراد، مما ينعكس بدوره على المظهر الفيزيقي للمدينة، وفي حالة المدينة السابقة على الصناعة كانت الأنشطة الدينية والسياسية تحتل مركزاً أسمى من النشاط الاقتصادي، ومن ثم احتلت النشاطات الدينية والسياسية منطقة وسط المدينة أو مركز المدينة، بينما كانت مؤسسات النشاط الاقتصادي رغم إقامة السوق في وسط المدينة أو بالقرب منه تابعة أو لاحقة للمباني الدينية والسياسية، ولم تكن المباني التجارية لتضارع في قيمتها أو تفوقها الرمزي المنشآت الدينية أو السياسية، وعلى هذا الأساس كان مركز المدينة يمثل أهمية إيكولوجية واجتماعية ورمزية تفوق الأجزاء الأخرى للمدينة، فهو مسكن الصفوة الحاكمة، وموقع المباني الدينية، ومقر السلطة السياسية، وموطن المساكن المترفة، أما الأجزاء الباقية من المدينة فقد توزع فيها سكان المدينة إما بطرق عشوائية، أو بطريقة تعكس بوضوح عمليات العزل الشعوبي والطبقي والمهني.
5 – ارتباط التنميط لاستخدام الأرض بالتمايزات الطبقية والسلالية:
ظهر التمايز الإيكولوجي لأجزاء المدينة مرتبطاً بفوارق وتمايزات الطبقة في مدينة ما قبل الصناعة واضحاً في ميل أفراد الطبقة العليا أو الصفوة الحاكمة إلى أن يعزلوا أنفسهم عن عامة الشعب بالتوطن في مركز المدينة حتى يضمنوا الاقتراب من مراكز القيادة والتنظيمات الحكومية والدينية والتعليمية، وقد ترتب على ذلك أن تركزت المنطقة السكنية ذات القيمة العالية في منطقة وسط المدينة.
ولقد تميز التنظيم الإيكولوجي لمدينة ما قبل الصناعة بظهور الأحياء السلالية أو الشعوبية المتميزة والمنعزلة والمكتفية بذاتها بالقدر الذي يحقق لها العزل الفيزيقي والاجتماعي عن بقية المدينة.
أما تمايز استخدام الأرض وفقاً للمهنة فقد كان نمطاً شائعاً في مدينة ما قبل الصناعة، حيث كان من المألوف أن يتخصص حي أو منطقة بأسرها في مهنة معينة.
والملاحظة الجديرة أنه رغم ارتباط التمايز الإيكولوجي لأقسام المدينة أو أجزائها بخطوط الطبقة أو السلالة أو المهنة أو القرابة، إلا أنه لم تكن هناك أشكال معينة للتخصص في استخدام الأرض على النحو المعرف في المدن الصناعية الحديثة فلقد كان من الشائع أن تستخدم نفس الأرض أو الوحدة المكانية في أكثر من غرض واحد ولأكثر من وظيفة واحدة.
ثانياً: المتروبوليس والإقليم الحضاري:
"المتروبوليس" مصطلح استعير من اللغة اليونانية ليعني حرفيا "المدينة الأم" وليشير إلى المدن اليونانية التي كانت لها مستعمرات في بلاد أجنبية تتبعها إدارياً وثقافياً واقتصادياً، ويشير المصطلح إلى "المدن التي اكتسبت أهمية تتخطى حدودها الإدارية وسلطتها القومية".
ولقد تعدد المصطلحات التي اشتقت من لفظة "متروبوليس" وأهم هذه المصطلحات:
"الحي المتروبوليتي": يشير إلى "كل منطقة حضرية تتكون على الأقل من مدينة مركزية واحدة أو أكثر يبلغ عدد سكانها (50) ألف نسمة فأكثر، إلى جانب كل المناطق المجاورة أو المتاخمة لها في نوع من الاتصال المكاني، والتي تبلغ كثافتها السكانية حوالي (150) فرداً على الأقل لكل ميل مربع".
"المنطقة المتروبوليتية النمطية": يشير إلى "منطقة تشتمل على مدينة من (50) ألف نسمة فأكثر بالإضافة إلى المقاطعة التي تقع فيها المدينة والمقاطعات الأخرى المجاورة التي تتكامل معها في مركب واحد".
"المجتمع المحلي المتروبوليتي": يشير إلى "ذلك النمط من المجتمع المحلي الحضري الذي ارتبط ظهوره بأحدث مراحل النمو الحضري، والتي تميزت بتجاوز الحدود التقليدية للمدينة، مؤدية إلى نشوء كيانات حضرية جديدة استدمجت فيها الحياة الحضرية بالحياة الريفية أو شبه الحضرية.
وعلى هذا الأساس ينظر إلى المجتمع المتروبوليتي على أنه "بناء مكاني" يعكس التخصص والتكامل الوظيفي للوحدات المكونة، الأمر الذي يجعل تحليل هذا النمط من الإقامة الحضرية يذهب إلى ما وراء المتغيرات الديموجرافية والإدارية البحتة.
- الضواحي:
تمثل الضواحي بأنواعها المختلفة وأدوارها الوظيفية المتمايزة وحدة سوسيوإيكولوجية من وحدات المجتمع المحلي المتروبوليتي، ويشير مصطلح الضاحية إلى "مجتمع صغير نسبياً له بناءه الخاص، يجاور ويقترب من المدينة المركزية ويعتمد عليها".
وهناك تعريف للضاحية بأنها "نوايات حضرية تقع خارج المدن المركزية وتستقل عنها من الناحية الإدارية رغم ارتباطها بها اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً من خلال الخدمات والتسهيلات التي توفرها المدينة".
ويكشف الأساس الوظيفي لمجتمع الضاحية عن تنوع واسع تماماً كما هو الحال بالنسبة للمدينة، ومع تنوع واختلاف الأساس الوظيفي لمجتمع الضاحية إلا أن هناك بعض الخصائص المميزة لهذا النمط من الإقامة الحضرية رغم ما يكشف عنه من تمايز بين وحداته ولعل من أهم هذه الخصائص نجد:
أ – خاصية الفصل الفيزيقي عن المدينة: وتمثل هذه الخاصية الموقع الإيكولوجي المتميز لمجتمع الضاحية داخل المركب المتروبوليتي، فهي مواقع حضرية أكثر بعداً عن مركز المدينة من المجاورات الحضرية وأكثر قرباً لهذا المركز من المجاورات الريفية، ومن ثم يختلف الوضع الإيكولوجي للضاحية عن الوضع الإيكولوجي الريفي والحضري معاً.
ب – الاعتماد الاقتصادي والمهني على المدينة: فعلى الرغم من وقوعها خارج حدود المدينة، إلا أنها تبقى معتمدة عليها كمصدر للبضائع والسلع والخدمات وفرص العمل.
هناك محاولتان تستهدف إبراز الخصائص المميزة لمجتمع الضاحية:
محاولة ليو شنور:
1 – من حيث البناء:
أ – إن كلاً من الضواحي والمدن التابعة تتفقان في أنه من الصعب فصلهما أو تمييزهما من حيث المكان عن المناطق المجاورة لهما.
ب – على الرغم من أن نمو الكثير من الضواحي والمدن التابعة جاء نتيجة "المد المتروبوليتي" إلى خارج حدود المدينة الأم، الأمر الذي يؤدي إلى استيعاب هذين النمطين تماماً داخل المركب المتروبوليتي، إلا أنهما يتفقان في احتفاظهما باستقلالهما الإداري عن المدينة المركزية.
ج – إن هذا الاستقلال الإداري لكل من الضاحية والمدينة التابعة لا يعني استقلالاً بنائياً وظيفياً لكل منهما، فكلاهما جزء أو مقوم أساسي في مركب حضري أكبر هو المنطقة المتروبوليتية الكبرى.
د – إن كلا من الضاحية والمدينة التابعة تمثلان نهاية المطاف في الدورة الداخلية لحركة السكان والسلع والخدمات التي تمثل الإيقاع اليومي والمنتظم لنشاط المجتمع المتروبوليتي، ومع ذلك فإن الاختلاف بينهما في هذا الصدد أكثر وضوحاً: حيث يكون تدفق السلع والخدمات من المدينة التابعة إلى الوحدات المتروبوليتية الأخرى من ناحية، وتدفق جماعات العمال إليها من كل جانب من ناحية أخرى، خاصية أساسية من خصائص المدينة التابعة بينما تتميز الضاحية السكنية بخاصية أخرى معاكسة على طول الخط.
2 – من حيث الوظيفة:تقف الضاحية والمدينة التابعة على طرفي النقيض تماماً فالضواحي توفر القوى العاملة وتستهلك السلع والخدمات، بينما تستهلك المدن التابعة القوى العاملة لتزود المركب المتروبوليتي بالعديد من ألوان السلع والخدمات، وفي هذا الصدد تمثل الضواحي عملية "تشتت الاستهلاك" بينما تمثل المدن التابعة عملية تشتت أو لا مركزية الإنتاج.
خصائص المدن التابعة: تميل إلى التمركز في المناطق المتروبوليتية ذات الكثافة الصناعية والسكانية العالية، وأنها أكبر حجماً من الضواحي السكنية، وأكثر انخفاضاً في القيمة الإيجارية لمساكنها أو في قيمة الأرض المتاحة بها.
خصائص الضواحي: تميل إلى التمركز بالقرب من المدن المركزية الكبرى وتتميز بصغر الحجم وارتفاع قيمة الأجرة للمساكن.
إن كلا من الضاحية والمدينة التابعة تكشف عن نموذج سكني مختلف فسكان المدن التابعة أصغر سناً وأدنى مكانة في حدود متغيرات المهنة والسلالة والمستوى التعليمي والسكني، بالإضافة إلى ذلك أن معدلات النمو السكاني تميل إلى الارتفاع بمعدلات سريعة في الضواحي عنه في المدن التابعة، ويرجع سبب ذلك إلى أن الضواحي أخذت تتسم بالطابع السكني من خلال زيادة استخدام الأرض للأغراض السكنية على العكس من المدن التابعة التي سيطر عليها النمط الصناعي لاستخدام الأرض إلى جانب الأنماط الأخرى غير السكنية، حتى أن كثيراً من المدن التابعة تستبعد اليوم كل الأغراض السكنية لاستخدام الأرض أو على الأقل يحول نموها دون تشييد المنشآت السكنية الجديدة.
محاولة ألفين بوسكوف:
الضاحية التقليدية للطبقة العليا: وهي نموذج تقليدي للضاحية لا يتطابق مع الاتجاهات الحديثة للنمو الحضري، يتميز بسيطرة الأسر العريقة ذات المكانة المرتفعة، ويوجد في العادة بالقرب من المدن الصغرى أو القرى ذات الكثافة السكانية العالية ويعتبر هذا النموذج أقل انتشاراً في العصر الحديث.
الضاحية المنعزلة أو المستقلة: ويصفها بأنها "منشق أو طفيلي" لأنها تطورت كجزء اقتطع من مناطق الأطراف المحيطة بالمتروبوليس، ويرتبط ظهور هذا النموذج بالنفور الواضح من المدينة المركزية في كل مظاهرها الفيزيقية والتنظيمية والديموجرافية، كما يتميز بسكنى أصحاب المهن الفنية والإدارية العليا، ممن يقومون برحلة عمل يومية من وإلى الضاحية وممن يفضلون العيش في مجتمع يحقق لهم استقلالاً شخصياً ويعتبر الطابع السكني لهذا النموذج إلى جانب الاحتفاظ بالتجانس النسبي فيما يتعلق بخصائص سكانه، -وبخاصة على مستوى الطبقة والمكانة- من أهم السمات التي يتميز بها هذا النموذج.
الضاحية السكنية: يعتبر هذا النموذج أكثر عدداً وتمثيلاً لأشكال الضواحي المعاصرة، ويهتم سكان هذا النموذج بصفة أساسية بالمسكن الجيد المريح ذي السعر المعقول مما لا يمكن الحصول عليه في المدينة المركزية، لذا تجد سكانه يحتفظون ببعض الروابط الوثيقة بالمدينة سواء للعمل أو للحصول على خدماتها أو للمشاركة في تنظيماتها، إلى جانب الاهتمام بالمشاركة في شئون مجتمع الضاحية، ولذا تجد ساكن هذا النموذج يكشف عن قدر كبير من الولاء المزدوج لكل من المدينة المركزية ومجتمع الضاحية.
الضاحية المتخلفة: وهي أيضاً نموذج سكني للضاحية، لكن أفراده من الجماعات الدنيا والفقراء والمهاجرين الجدد إلى المدينة، لذلك يغلب على هذا النموذج المساكن المؤقتة والمزدحمة، ويكشف هذا النوع من الضواحي عن الطابع المميز للأحياء المتخلفة الحضرية فيزيقياً وديموجرافياً واجتماعياً، بحيث لا يتوقع أن يكشف عن أي تحسن أو تطوير للظروف المعيشية للسكان.
الضاحية المتنوعة: ويجمع هذا النوع من الضواحي –الذي تطور بسرعة فائقة في الخميسنات من هذا القرن- بين خصائص النموذج الثاني والثالث، كما يشير تطوره إلى تلك الحركة التي أخذت في الظهور والانتشار ممثلة في انتقال جماعات المهن الفنية العليا والمتخصصة ومهن الياقة البيضاء –ذوو التوجه الحضاري- للإقامة بعيداً عن مركز المدينة، ولعل من أهم عناصر هذا النموذج تزايد توطن المهن والأعمال الملائمة داخل الضاحية نفسها أو في المناطق المجاورة لها، لذلك نجد أنه في الوقت الذي تظل فيه رحلة العمل اليومية إلى المدينة مستمرة وقائمة لدى بعض السكان فإن البعض الآخر يجد فرصة أوسع للإقامة بالقرب من مواقع العمل في الضاحية، ومن هنا يكشف سكان هذا النموذج سواء من المقيمين به أو العاملين فيه عن اهتمام واضح بشؤون المجتمع المحلي والمشاركة في تطويره وتوفير مختلف التسهيلات المحلية التي تمكن من استقراره، ومع تزايد التطوير والتسهيلات يصبح هذا النموذج أكثر جذباً للفئات الاجتماعية المختلفة سواء من المدينة أو من مناطق الأطراف المجاورة، ليصبح هذا التنوع السكاني الواسع النطاق من أهم سماته المميزة.
الضاحية الصناعية: يتميز هذا النموذج بخاصيتين أساسيتين هما غلبة الطابع الصناعي على أساسها الوظيفي وأنماط استخدام الأرض فيها، ومن ثم غلبة جماعات المكانة المهنية الدنيا، إلى جانب انخفاض معدلات النمو السكاني فيها عن معدلاته في الضواحي السكنية، ويرجع ذلك إلى أن الضحية الصناعية أقدم في ظهورها من الضاحية السكنية، الأمر الذي جعلها تقترب من حد التشبع في نموها السكاني، هذا فضلاً عن سيطرة الاستخدام الصناعي للأرض يحول دون تطوير المنشآت السكنية الجديدة، خاصة وأن نمو الضواحي يعتمد إلى حد كبير على التوسع في المناطق السكنية أكثر من اعتماده على التوسع في فرص العمل المتاحة بالضواحي الصناعية.
أهم الخصائص الديموجرافية التي تتميز بها الضواحي عن المدن المركزية:
1 – تكشف مناطق الضواحي عن معدلات للنمو السكاني أكثر ارتفاعاً من المدن المركزية، وذلك كنتيجة لازمة عن حركات الهجرة والتنقلات السكانية من المدينة المركزية والمناطق الأخرى خارج المنطقة المتروبوليتية إلى الضواحي بأشكالها المختلفة.
2 – يميل المعدل النوعي "نسبة الذكور إلى الإناث" إلى الارتفاع بدرجة ملحوظة في مناطق الضواحي وبخاصة إذا قورنت بالمدن المركزية.
3 – تميل معدلات الزواج إلى الارتفاع في مناطق الضواحي كنتيجة لازمة لعملية الهجرة الانتقائية إليها.
4 – يميل التوزيع العمري للسكان إلى أن يكون أكثر انحرافاً إلى فئات السن الشابة في مناطق الضواحي عنها في المدن المركزية.
5 – تكشف التركيبات المهنية وتوزيعات الدخل في هذه المناطق عن تركيز واضح لفئات الدخل وجماعات المكانة المهنية العليا.
6 – تتميز مناطق الضواحي بارتفاع ملحوظ في مستويات التعليم بين فئات السن (25) فأكثر.
- الأطراف الحضرية:
تمثل منطقة الأطراف الحضرية من وجهة النظر السوسيوأيكولويجة نمطاً متميزاً من أنماط الإقامة الحضرية إلى جانب كونها وحدة أساسية من وحدات المركب المتروبوليتي، وقد عرفت هذه المنطقة بأسماء عديدة، فقد يطلق عليها في بعض الأحيان اسم "الطوق الريفي للمدينة" وقد يطلق عليها أحياناً أخرى اسم "الطوق الخارجي للمدينة" وتعرف أحياناً ثالثة "بنطاق الأطراف" أو بالإطار "الريفي الحضري للمدينة"
تعريف الأطراف الحضرية:هي الحد النهائي والأخير لانتشار أنماط الحياة الحضرية، كما يشير المصطلح إلى "منطقة جغرافية تختلط فيها الأنماط الحضرية والريفية لاستخدام الأرض"، ولذلك تمثل الأطراف الحضرية –أيكولوجياً- البعد المكاني الذي يستوعب وباستمرار "المد المتروبوليتي" للمدينة، وأنها منطقة تقع في العادة ما بين ضواحي المدينة والقرى الزراعية من حولها فعلى أحد طرفيها تقع الضواحي السكنية المدن التابعة (الضواحي الصناعية)، وفيما وراء الطرف الآخر تبدأ مظاهر الحضرية في الاختفاء وتبدو الأرض الزراعية للعين المجردة حيث تتوطن القرى الزراعية الصغيرة محيطة بالمركب المتروبوليتي.
الخصائص العامة المشتركة لنموذج مجتمع الأطراف:
1 - خصائص الأساس الوظيفي لمجتمع الأطراف الحضرية:
من أوضح الحقائق التي ترتبط بالأساس الوظيفي لمجتمع الأطراف تلك التي تجسد علاقته بعامل التصنيع والتوسع الصناعي، فمع أن التوسع الصناعي في مناطق الأطراف كان في ذاته نتيجة لمجموعة من العوامل التاريخية والجغرافية والاقتصادية والتكنولوجية التي حددت مسار النمو الحضري واتجاهاته إلا أن آثار هذا التوسع ونتائجه قد نشطت لتحديد طبيعة الدور الوظيفي المتميز لمناطق الأطراف إيكولوجياً واجتماعياً واقتصادياً ذلك أن تفسير نشأة هذه المناطق وتمثلها لخصائص متميزة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعمليات إعادة التوزيع السكاني والنشاط الاقتصادي داخل المنطقة الحضرية، تلك العمليات التي ارتبطت بدورها بالتوسع الصناعي وبمختلف مظاهر التغير الإيكولوجي التي لحقت المنطقة الحضرية، ولذلك كله كان فهم الأساس الوظيفي لمجتمع الأطراف وتحديد ملامحه الإيكولوجية من شأنه أن يلقي مزيداً من الضوء على عمليات التغير التي لحقت المنطقة الحضرية في شكلها المتروبوليتي، إذ ليس المهم أن نوضح كيف تتمايز وحدات المركز المتروبوليتي، بل المهم أيضاً أن نوضح كيف تتكامل هذه الوحدات مع بعضها لتشكل كل وظيفي متكامل ومترابط وفي هذا الصدد نواجه بحقيقتين أساسيتين تمثلان خصائص وظيفة متميزة لمجتمع الأطراف هي:
1 – يقدم النمو المضطرد والمتزايد لمناطق الأطراف دليلاً حاسماً على تمايز معدلات النمو السكاني داخل المركب المتروبوليتي، تلك المعدلات التي تميل إلى الزيادة البطيئة –إن لم يكن الانخفاض في كثير من الحالات- في المدن المركزية أو المناطق الداخلية لهذا المركب، في الوقت الذي تميل فيه إلى الارتفاع المتزايد في مناطق الأطراف ومن ثم أصبحت هذه المناطق تمثل مراكز جديدة للجذب السكاني، تصب فيها روافد الهجرة والتنقلات السكانية سواء من المدن المركزية أو المناطق الداخلية للمركب المتروبوليتي، أو من المناطق الريفية المجاورة.
2 – على الرغم من أن بعض الصناعات لا تزال تحتفظ بمقومات موقعها المركزي (داخل المنطقة المتروبوليتية) إلا أن نطاق الضواحي والأطراف أصبح في ضوء عمليات النمو الحضري التي اتسمت بالتخلخل واللامركزية هو المكان المناسب والأكثر ملائمة لتوطين المشروعات الصناعية الجديدة، كذلك الحال بالنسبة للنشاط التجاري الذي امتد إلى مناطق الأطراف وإن كانت مراكزه القديمة ظلت محتفظة بموقعها المركزي، وربما كان النشاط الزراعي هو أكثر النشاطات الاقتصادية تأثيراً بالمد المتروبوليتي وتطور مناطق الأطراف، خاصة بعد أن اتضح عجز هذا النشاط في ميدان المنافسة على استغلال الأرض مع الأنشطة الأخرى، الأمر الذي أدى إلى تحول المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية إلى أغراض صناعية وتجارية سكنية.
وقد يترتب على ذلك كله أن يكشف البناء المهني لمجتمع الأطراف عن تنوع واسع النطاق، حيث يكون بعض سكانه من المزارعين، بينما تكون مزاولة الأعمال الحضرية مصدراً أساسياً للدخل للبعض الآخر، في الوقت الذي تجمع فيه بعض الفئات السكانية بين العمل الحضري في المدينة والعمل غير المتفرغ بالنشاط الزراعي،وتستوعب مناطق الأطراف عدداً ليس بقليل من أصحاب المهن الفنية العليا ومن ذوي المكانة الاجتماعية الاقتصادية المرتفعة، إلى جانب الطبقات العاملة والمزارعين، كما ترتبط المنطقة بالمدينة المركزية وبالضواحي الصناعية برحلة عمل يومية، ولذلك يكشف المظهر الفيزيقي لمجتمع الأطراف عن تنوع سكني واسع النطاق يجمع ما بين مساكن الطبقات العليا "الفيلات" والتجمعات السكانية المزدحمة ذات الإيجار المنخفض.
2 – خصائص البناء الإيكولوجي:
1 – من حيث الموقع: يوجد على الحدود الخارجية للمدنية وعلى امتداد الطرق العامة أو الرئيسية، كما أن الإطار الخارجي له يقترب من المناطق الريفية المجاورة، بل قد يتداخل معها في بعض الأحيان.
2 – إن نمط استخدام الأرض فيها عبارة عن تراكم متزايد وغير متناسق لنماذج سكنية وتجارية وصناعية على جانب المساحات الكبيرة من الأراضي الفضاء التي لم تستغل بعد، وربما كان ذلك سبباً في أن توصف مناطق الأطراف "بالطابع الهامشي" في نظر البعض، ولكن على الرغم من عشوائية وتنوع أنماط استخدام الأراضي إلا أنها تكشف وباستمرار عن تقلص النمط الزراعي لاستخدام الأرض.
3 – إن مجتمع الأطراف لحداثته النسبية كملحق أو امتداد حضري يفتقر إلى الخدمات الحضرية المختلفة كإمدادات المياه والصرف الصحي والشوارع الممهدة وخدمات الأمن والمرافق العامة، ومن أجل ذلك يطلق عليه مصطلح الصحراء النظامية أو المركز الميت.
4 – أن هذا المجتمع في حالة من التغير المستمر بالنسبة لحدوده الفاصلة، نظراً لتأثره المستمر بعمليات التوسع العمراني للمدينة وما يترتب عليه من تعد مستمر على هذه الحدود من خلال عمليات الضم والإدماج.
5 – إنه من حيث تركيبه الديموجرافي يشتمل على مزيج مختلط من السكان، حيث يعمل البعض بالزراعة كمهنة أساسية ومصدر وحيد للدخل بينما يجمع البعض الآخر بين العمل الزراعي وأوجه النشاط الحضري بحيث يكون العمل الحضري مصدر دخل أساسي، في الوقت الذي يزاول البعض الثالث مهناً حضرية ويتبع مصالح وقيم وطريقة حضرية في الحياة، ومنهم أيضاً من هو أكثر تحضراً لأنه قدم من المدينة المجاورة ومنهم من هو أكثر ريفية لانتمائه إلى المناطق الريفية المجاورة وهكذا.
يميل بعض الباحثين إلى التمييز بين الأطراف الممتدة والأطراف المحدودة، ذلك على أساس أن الأطراف المحدودة هي التي تقع مباشرة عند الطرف الخارجي للمدينة أو المنطقة الحضرية، والتي ينبثق نموها في مراحله الأولية من المدينة على طول الطرق العامة وذلك من خلال عمليات غزو يقوم بها سكان المدينة والاستخدامات الحضرية للأرض الواقعة بين المدينة وأطرافها الخارجية وهي لذلك تشتمل على بعض المنشآت الصناعية والتجارية وغيرها من المنشآت التي تسعى للتوطن في هذه المواقع نظراً لعدم وجود تحديد صارم لاستخدام الأرض كما هو الحال في المدينة وهي فوق هذا كله تشتمل على أراض مخصصة لبناء المساكن ذات المستوى الرفيع –فيلات- جنباً إلى جنب مع المساكن الرخيصة والرديئة، ومن ثم تتميز منطقة الأطراف المحدودة بالطابع الانتقالي، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار انتقال سكان المدينة ممن يبحثون عن مساكن جديدة الأمر الذي سيؤدي في النهاية إلى زيادة تركيز سكان الحضر فيها واختفاء العناصر الريفية منها تماماً.
أما منطقة الأطراف الممتدة فهي تلك المنطقة التي تقع فيما وراء الأطراف المحدودة أي خارج المنطقة الحضرية وهي تمثل مناطق الظهير الزراعي المجاور للمدينة، فيها لا يزال النمط الزراعي لاستخدام الأرض قائماً دون تغير، على الرغم من انتقال بعض سكان المدينة للإقامة فيها، مع احتفاظهم بمهنهم الحضرية، وذلك لمجرد الرغبة في امتلاك مسكن ريفي أو بعض المزارع أو الملكيات الزراعية التي يتفرغون لإدارتها تفرغاً كاملاً.
وكما هو الحال بالنسبة للأساس الوظيفي، تتمايز مناطق الأطراف فيما بينها من حيث الوضع الإيكولوجي في المنطقة الحضرية أو علاقتها المكانية بالمدينة:
1 – مناطق بعيدة عن المركز وعلى درجة عالية من الاكتفاء الذاتي اقتصادياً واجتماعياً، وبالتالي على درجة عالية من الاستقلال عن المناطق المحيطة بها حتى المدينة.
2 – مناطق بعيدة عن المراكز على درجة محدودة من الاكتفاء الذاتي وبالتالي على درجة من الاعتماد على المدينة المركزية.
3 – مناطق سكنية صممت لتتسع للفيض السكاني القادم من المدينة المركزية.
4 – مناطق صناعية صممت لتتسع للفيض الصناعي القادم من المدينة المركزية.
5 – مناطق استغرقت إلى حد ما في المدينة المركزية.
6 – مناطق فقدت كيانها وطابعها الاستقلالي خلال الاستغراق التام في مجتمع محلي أكبر نتيجة لعمليات الدمج الإيكولوجي أو الضم الإداري لتتوحد سياسياً أو إدارياً مع مجتمع محلي أكبر وإن كانت تحتفظ في كثير من الأحيان بنوع من التمايز الثقافي والاجتماعي.
وتؤثر هذه العلاقة الإيكولوجية المتمايزة لمنطقة الأطراف بالمدينة المركزية بوضوح على التنظيم الاجتماعي السائد لمجتمع الأطراف، فالمدينة هي مركز الخدمات الحضرية باختلاف أنواعها، وهي أيضاً مركز التأثير والإشعاع الحضري حيث يتوطن فيها عدد كبير متنوع من المؤثرات الحضرية وفرص للتفاعل الحضري قد لا تتوفر في مناطق أخرى، ويترتب على ذلك أن تمايز واختلاف هذه العلاقة الإيكولوجية بالمدينة أمر يؤدي –استناداً على مبدأ التدرج- إلى تفاوت واضح في وطأة المؤثرات الحضرية في الجانب المادي واللامادي للثقافة والحياة الاجتماعية بوجه عام.
وتمثل حركة الانتقال من وإلى مجتمع الأطراف أو ما يطلق عليه البعض اسم "رحلة العمل اليومية" الخاصية الإيكولوجية الرابعة والأخيرة لمجتمع الأطراف ولأنها كانت في ذاتها نتيجة ضرورية ترتبت على الخصائص الإيكولوجية السابقة، إذ من المتصور أن طبيعة الأساس الوظيفي لمجتمع الأطراف –كأن تغلب عليه طابع المنطقة السكنية أو الصناعية- مقترنة بالوضع الإيكولوجي أو العلاقة المكانية بالمدنية، واختلاف الخصائص السكانية المميزة لفئات سكانه –الوافدين من المدينة أو من القرى المجاورة- عوامل أساسية وبارزة في تحديد حجم حركة الانتقال اليومي إلى المدينة وطبيعتها والغرض منها وتحديد مدى تأثيرها على الطابع العام للتنظيم الاجتماعي السائد وطريقة الحياة بوجه عام.
3 – البناء الديموجرافي:
تتمايز معدلات الهجرة والتنقلات السكانية واتجاهاتها، كما تتمايز الخصائص الأساسية في فئات المهاجرين بتمايز أو اختلاف نموذج البناء الحضري، بحيث تكون هذه المعدلات والاتجاهات والخصائص استجابة للطبيعة النوعية للمنطقة الحضرية مدينة كانت أو منطقة متروبوليتية، إن عوامل مثل حجم المنطقة ومدى سرعة النمو الاقتصادي فيها وتنوع فرص العمل واختلاف نوعية العمالة المطلوبة ومستوى الخدمات المتاحة بالمنطقة كلها عوامل تفسر إلى جانب عوامل أخرى غيرها ذلك التنوع الواسع في معدلات الهجرة واتجاهاتها وخصائص فئاتها من مجتمع لآخر بل ومن منطقة لأخرى داخل نفس المجتمع.
وعلى هذا الأساس يصبح "مدخل العوامل المتعددة" هو أصلح المداخل لتفسير ظاهرة الانتقال إلى الأطراف، بمعنى أن التكنولوجيا أو الفرص الاقتصادية أو العمليات الإيكولوجية وحدها لا تكفي لتفسير الظاهرة، بل لابد من وضعها جميعاً في الاعتبار مضافاً إليها الدوافع النفسية والاجتماعية لدى الأفراد الذين يقومون بهذه الحركة السكانية.
تكشف دراسة مناطق الأطراف والضواحي عن بعض الخصائص ذات الأهمية النظرية في مجال البحث السوسيولوجي أهمها:
1 – إن مجتمع الأطراف لا ينشأ أو يقوم دفعة واحدة، بل هو في حالة من التغير المستمر، يتحول من خلالها من منطقة ريفية أو شبه حضرية إلى مجتمع حضري، وفي هذا التحول تكمن الخصائص المميزة له، غير أن هذا التغير لا يعني مجرد تحول أو انتقال أنماط السلوك أو طريقة الحياة الحضرية إلى منطقة ما، بل ينطوي على عملية معقدة من الاحتكاك والتفاعل والاتصال الثقافي.
2 – إن نشأة مجتمع الأطراف وتطوره تعني أكثر من مجرد تحول لمنطقة ريفية إلى أخرى حضرية أو شبه حضرية، ذلك لأنه على الرغم من أن سكان المدينة في انتقالهم إلى هذا المجتمع قد يجلبون معهم بعض مستلزمات وخصائص ومقومات بناء اجتماعي حضري إلا أنهم سيجدون أمامهم وفي نفس الوقت مقومات لمجتمع موجود وقائم بالفعل، وليس المهم هو ما الذي سينقله سكان المدينة إلى هذه المنطقة من سمات ثقافية أو ما الذي سيجدوه أمامهم، إنما المهم هو تفاعل القديم مع الجديد والعكس.
3 – تمثل مناطق الأطراف منطقة هامشية ليس فقط فيما يتعلق بأنماط استخدام الأرض، بل أيضاً فيما يتعلق بدرجة تقبل المعايير الحضرية.
4 – تفيد دراسة الأطراف الحضرية كثيراً في الحصول على معلومات أكثر قيمة حول الهجرة والتنقلات السكانية وحجمها ومداها واتجاهاتها والعمليات الانتقائية التي تتضمنها، وبالتالي تساعد على تطوير إطار نظري متكامل لحركات التنقل السكاني في المجتمع الحضري.
5 – تلقي دراسة مجتمع الأطراف بعض الضوء على عوامل وأبعاد اكتساب المكانة الاجتماعية.
6 – تختلف مناطق الأطراف فيما بينها من حيث ظروف النشأة وعواملها ودرجة البعد أو القرب النسبي من المدينة وفي أنماط النمو واتجاهاته وفي أساسها الاقتصادي ودورها الوظيفي في التنظيم الكلي للمنطقة الحضرية.
7 – لا تزال هناك حاجة ماسة في علم الاجتماع لدراسة أثر الحياة في منطقة معينة على بناء الشخصية لدى سكانها، وتفيد دراسة الأطراف كثيراً في هذا الميدان.
8 – إن كثيراً من مشاكل الإدارة والتخطيط الحضري قد نتج عن عدم الإلمام الكافي بالنتائج المرتبطة بتغير المجتمع الحضري ومشكلاته، وتلعب دراسة الأطراف الحضرية –كإحدى الوحدات الأساسية في بناء هذا المجتمع- دوراً هاماً في هذا المجال.
Related Posts with Thumbnails

Choose Your Language Now

ابحث في المكتبات الاجتماعـية

Loading

قسم الاستفسارات السريعة

اشترك معنا ليصلك الجديد

إذا أعجبك موقعنا وتريد التوصل بكل المواضيع الجديدة ،كن السبّاق وقم بإدخال بريدك الإلكتروني وانتظر الجديد

لا تنسى تفعيل الإشتراك من خلال الرسالة البريدية التي سوف تصلك علي بريدك الإلكتروني.

المواضيع التي تم نشرها حديثا

شكر خاص لزائرينا الكرام

شاركونا تعليقاتكم على أى موضوع وسوف نقوم بالرد عليها فور وصولها شكراً لزيارتكم موقعنا .. العلوم الاجتماعية .. للدراسات والأبحاث الاجتماعية,ومقالات علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية,وعلم النفس والفلسفة,وباقي فروع العلوم الاجتماعية الأخرى .. العلوم الاجتماعية © 2006-2014

أهمية الوقت في حياتنا

تقييم العلوم الاجتماعية